رغم الرباعية أمام هايتي.. هجوم المغرب يطرح سؤالاً مقلقاً قبل الأدوار الحاسمة
الجريدة العربية
حقق المنتخب المغربي فوزاً مثيراً على نظيره الهايتي بنتيجة أربعة أهداف مقابل هدفين، في مباراة أكد خلالها “أسود الأطلس” مرة أخرى قدرتهم الكبيرة على صناعة الفرص والوصول المتكرر إلى مرمى المنافس. غير أن هذه الرباعية، رغم قيمتها الهجومية، لم تُخفِ تماماً بعض المؤشرات التي قد تفرض نفسها بقوة في الأدوار الإقصائية، وفي مقدمتها محدودية حضور رأس الحربة الصريح داخل قلب المنظومة الهجومية.
فعلى مستوى الأرقام، بدا المغرب في أفضل حالاته الهجومية. المنتخب سدد 22 كرة نحو المرمى، منها 11 محاولة مؤطرة، وبلغ معدله التهديفي المتوقع أكثر من 3 أهداف، وهي معطيات تؤكد أن كتيبة محمد وهبي لعبت بروح هجومية واضحة، ونجحت في خلق كمّ كبير من الفرص من مختلف الجبهات. لكن المفارقة أن هذا الزخم الهجومي لم يكن مركزه المهاجم الصريح أيوب الكعبي، الذي لعب 70 دقيقة دون أن يفرض نفسه كعنصر محوري في الثلث الأخير من الملعب.
ورغم أن الكعبي سدد ثلاث مرات على المرمى، ونجح في وضع كرتين بين الخشبات الثلاث، فإن تأثيره ظل محدوداً مقارنة بحجم الإنتاج الهجومي الجماعي. فحصيلته من الفرص الخطيرة بقيت متواضعة، كما ظهر في كثير من اللحظات معزولاً عن بقية الخط الأمامي، وهو ما عكس صعوبة في الربط بينه وبين صناع اللعب أو في منحه الكرات داخل المناطق التي يجيد التحرك فيها.
في المقابل، برزت أسماء أخرى بشكل لافت داخل المنظومة الهجومية المغربية، وعلى رأسها أشرف حكيمي، الذي لم يكتفِ بأدواره الدفاعية والانتقالية، بل تحول إلى أحد أخطر مفاتيح اللعب الهجومي، بعدما سجل هدفاً وقدم تمريرة حاسمة وهدد المرمى الهايتي في أكثر من مناسبة. كما أكد إسماعيل الصيباري مرة أخرى قيمته كلاعب وسط قادر على التقدم نحو منطقة الجزاء وصناعة الفارق في اللمسة الأخيرة، سواء عبر التحرك بدون كرة أو من خلال حضوره المباشر في التسجيل.
ولم يتوقف التنوع الهجومي المغربي عند هذا الحد، إذ حملت تغييرات الشوط الثاني بدورها إشارات إيجابية، بعدما نجح سفيان رحيمي في ترك بصمته سريعاً بتسجيل هدف وصناعة آخر، فيما تمكن جسيم ياسين من استغلال ظهوره القصير لهز الشباك وتأكيد أن المنتخب يتوفر على حلول متعددة قادرة على الحسم من مقاعد البدلاء.
هذه المعطيات تمنح المنتخب المغربي نقاط قوة واضحة، لأنها تؤكد أن الفريق لم يعد رهيناً بمصدر هجومي واحد، بل بات قادراً على التسجيل عبر الأظهرة، ولاعبي الوسط، والأجنحة، وحتى العناصر التي تدخل في الشوط الثاني. غير أن الوجه الآخر لهذه الصورة يثير في المقابل سؤالاً مشروعاً: هل يستطيع المغرب مواصلة هذا الزخم الهجومي أمام منتخبات أكثر تنظيماً وصلابة، إذا ظل رأس الحربة بعيداً عن قلب الفعل الهجومي؟
في المباريات المفتوحة، مثل مواجهة هايتي، قد لا يبدو هذا الأمر مقلقاً كثيراً، لأن المساحات تكون متاحة والحلول متعددة. لكن في مباريات خروج المغلوب، حيث تقل المساحات ويشتد التمركز الدفاعي، غالباً ما تحتاج الفرق إلى مهاجم صريح قادر على لعب دور نقطة الارتكاز داخل منطقة الجزاء، واستغلال أنصاف الفرص، وفرض حضوره حتى في أصعب الظروف.
من هنا، تبدو المباراة أمام هايتي وكأنها حملت رسالتين متناقضتين للطاقم التقني المغربي: الأولى إيجابية، وتتمثل في القدرة على تسجيل أربعة أهداف وصناعة فرص كثيرة بمرونة هجومية واضحة؛ والثانية أكثر حذراً، وتخص غياب المهاجم الصريح عن مركز الثقل في هذه المنظومة، وهو ما قد يتحول إلى نقطة ضعف أمام منافسين من عيار أعلى.
المغرب أنجز المطلوب وخرج بانتصار مهم، لكنه في الآن نفسه تلقى تنبيهاً مبكراً قبل الدخول في المنعطفات الأصعب. فنجاح “أسود الأطلس” في الذهاب بعيداً في هذا المونديال لن يتوقف فقط على وفرة الفرص، بل أيضاً على قدرتهم على جعل المهاجم رقم 9 جزءاً حقيقياً من ماكينة الحسم، لا مجرد اسم حاضر في التشكيلة.