أخبار المغرب

في قوة اللغة الدبلوماسية: قراءة في بلاغ وزارة الخارجية بشأن وفاة المواطن المغربي عبد الرحيم فقير

الجريدة العربية – ذ. يونس مشاوي

ليست كل الكلمات سواء، ولا تُقرأ البيانات الرسمية بالمنطق نفسه الذي تُقرأ به المنشورات الجمعوية أو التعليقات الفردية أو البيانات الصادرة عن الفعاليات المدنية. فلكل مقام لغته، ولكل مؤسسة أدواتها، ولكل عبارة في الخطاب الدبلوماسي وزنها القانوني والسياسي والرمزي.

ومن هذا المنطلق، فإن البلاغ الصادر عن وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج بشأن وفاة المواطن المغربي عبد الرحيم فقير بمدينة بولونيا الإيطالية، يستحق قراءة متأنية وهادئة، بعيدا عن الانفعال أو محاولة تحميله ما لا يحتمل.

فالبلاغ، رغم صياغته الدبلوماسية، لم يكن بلاغا عاديا أو محايدا بالمعنى السطحي للكلمة، بل تضمن عبارات ذات دلالة قوية، تحمل رسائل واضحة إلى مختلف الأطراف المعنية، وتؤكد أن الدولة المغربية تتابع القضية عن قرب، وتتحرك عبر القنوات الرسمية، وتحرص على حماية مصالح مواطنيها المقيمين بالخارج.

أولا : “ببالغ الانشغال”… عبارة دبلوماسية تحمل جدية بالغة

عندما تستخدم وزارة الخارجية عبارة “ببالغ الانشغال”، فإن الأمر لا يتعلق بمجرد التعبير عن الحزن أو التعاطف، بل هو تعبير دبلوماسي يدل على أن الموضوع يحظى باهتمام رسمي خاص.

فاللغة الدبلوماسية لا تستعمل عادة العبارات الانفعالية أو الاتهامات المباشرة، لكنها تمتلك قاموسا دقيقا للتعبير عن درجات الاهتمام والقلق والمتابعة. وعبارة “ببالغ الانشغال” تفيد بأن السلطات المغربية تعتبر القضية ذات أهمية، وأنها لا تكتفي بتلقي المعلومات، بل تتابع تطوراتها وتتعامل معها بجدية.
إنها لغة دولة، وليست لغة منشور على مواقع التواصل الاجتماعي.

ثانيا : “طلبت السلطات المغربية من السلطات الإيطالية المختصة الإسراع”

هذه العبارة من أقوى العبارات الواردة في البلاغ.
فالوزارة لم تكتفِ بالقول إنها “تتابع” أو “تنتظر نتائج التحقيق”، بل أوضحت أن السلطات المغربية طلبت من السلطات الإيطالية المختصة الإسراع.
والفرق كبير بين العبارتين.

فـ«المتابعة» تعني الاهتمام والرصد، أما “الطلب بالإسراع” فيعني أن المغرب انتقل إلى مستوى أكثر تقدما من التعاطي مع القضية، وهو مستوى التواصل الرسمي المباشر مع السلطات المختصة في الدولة المعنية.

وهنا ينبغي التذكير بأن العلاقات بين الدول لا تُدار بمنطق الصراخ أو الاتهام العلني، بل عبر القنوات المؤسساتية، والاتصالات الرسمية، والمذكرات، واللقاءات، والتنسيق بين الجهات المختصة.”إن مطالبة السلطات الإيطالية المختصة بالإسراع تعكس بوضوح أن الدولة المغربية لا تقف موقف المتفرج، وأنها تطالب بتقدم ملموس في مسار البحث والتحقيق.

ثالثا : «إجراء تحقيق شامل»

هذه العبارة ليست تفصيلا لغويا .
إن المطالبة بـ «تحقيق شامل» تعني أن المطلوب ليس بحثا شكليا أو محدودا، وإنما تحقيق يأخذ بعين الاعتبار جميع المعطيات والظروف والملابسات المرتبطة بالوفاة.
فالتحقيق الشامل يعني، من حيث المبدأ، عدم الاكتفاء بفرضية واحدة، وعدم إغلاق الملف قبل استكمال جميع الإجراءات الضرورية، والاستماع إلى المعطيات ذات الصلة، وفحص الأدلة والوقائع التي يمكن أن تساعد على الوصول إلى الحقيقة.
وهنا تظهر مسؤولية المؤسسات القضائية والأمنية المختصة في إيطاليا، باعتبارها الجهة المخولة قانونا بالكشف عن ملابسات القضية وتحديد المسؤوليات، بعيدا عن الأحكام المسبقة أو الاستنتاجات المتسرعة.

رابعا : “لكشف كافة الملابسات المحيطة بهذه الوفاة”

ربما تكون هذه العبارة من أكثر العبارات دلالة في البلاغ.
فالوزارة لم تتحدث عن معرفة مسبقة بسبب الوفاة، ولم توجه اتهاما إلى جهة معينة، لكنها طالبت بـ “كشف كافة الملابسات المحيطة”.
وهذه الصياغة الدبلوماسية تترك الباب مفتوحا أمام جميع الفرضيات التي ينبغي أن يبحث فيها التحقيق، دون أن تستبق نتائجه.
وهنا تكمن قوة اللغة الرسمية: فهي لا تتنازل عن المطالبة بالحقيقة، لكنها في الوقت نفسه لا تتدخل في عمل القضاء، ولا تصدر أحكاما قبل انتهاء التحقيق.
إنها معادلة دقيقة بين الدفاع عن المواطن المغربي واحترام سيادة القانون والمؤسسات القضائية في الدولة المضيفة.

خامسا : “تقديم التوضيحات اللازمة حول هذه الفاجعة”

لم تقل الوزارة “تقديم توضيحات”، وإنما تحدثت عن “التوضيحات اللازمة”.
والكلمة هنا مهمة.
فالمقصود ليس مجرد بيان مقتضب أو معلومة عامة، وإنما تقديم المعطيات الضرورية التي تمكن من فهم حقيقة ما وقع، وتفسير ظروف الوفاة، وتحديد المسؤوليات، إن ثبت وجود مسؤولية.
أما وصف الواقعة بـ “هذه الفاجعة”، فهو يحمل كذلك بعدا إنسانيا واضحا، ويعكس أن الدولة المغربية تنظر إلى وفاة المواطن المغربي باعتبارها مأساة تمس أسرة مغربية وجالية مغربية، وليست مجرد حادث عابر.

سادسا : “ضرورة تحديد المسؤوليات”

هذه من أكثر العبارات قوة ووضوحا.
فالدولة المغربية لا تطالب فقط بمعرفة ما حدث، بل تؤكد على ضرورة تحديد المسؤوليات.
وهذا يعني أن التحقيق، متى اكتملت نتائجه، ينبغي أن يؤدي إلى تحديد المسؤولية القانونية عن كل فعل أو تقصير أو مخالفة تثبتها التحقيقات.
إنها عبارة لا تحمل اتهاما مسبقا، لكنها في الوقت نفسه لا تقبل أن تبقى المسؤولية مجهولة إذا كشفت التحقيقات عن وجودها.
وهنا يظهر الفرق بين الخطاب الدبلوماسي الرصين والخطاب الانفعالي. فالدبلوماسية لا تتهم قبل التحقيق، لكنها لا تتنازل عن مبدأ المحاسبة بعد ثبوت المسؤولية.

سابعا : “ضمان تطبيق كامل للإجراءات والتدابير القانونية المطلوبة”

هذه العبارة تؤكد أن المطلب المغربي ليس سياسيا فقط، بل هو قبل كل شيء مطلب قانوني.
فالمغرب يطالب بـ التطبيق الكامل للإجراءات والتدابير القانونية المطلوبة، أي أن القضية ينبغي أن تعالج وفق القانون، وبالجدية والصرامة اللازمتين، وبما يضمن احترام حقوق المتوفى وأسرته، والوصول إلى الحقيقة.
وهذا هو جوهر دولة المؤسسات: لا أحكام مسبقة، ولا تبرئة مسبقة، ولا اتهامات مجانية، بل تحقيق، وأدلة، ومسؤوليات، وقانون.

ثامنا : “تعليمات صارمة للسفارة والقنصلية العامة المعنيتين”

وهذه العبارة تحمل رسالة بالغة الأهمية.
فالوزارة لم تكتفِ بإصدار البلاغ، بل أكدت أنها أعطت تعليمات صارمة للسفارة والقنصلية العامة المعنيتين لمتابعة تطورات القضية.
والتعليمات الصارمة تعني أن الموضوع يحظى بمتابعة مؤسساتية مباشرة، وأن التمثيلية الدبلوماسية والقنصلية المغربية مطالبة بالقيام بدورها في تتبع الملف والتواصل مع الجهات المعنية، وتقديم الدعم والمواكبة في حدود الاختصاصات القانونية والدبلوماسية.
وهنا يتجلى الدور الحقيقي للمؤسسات المغربية في الخارج: ليس في الدخول في صراعات أو سجالات إعلامية، بل في العمل الهادئ، المستمر، والمؤسساتي.

الدبلوماسية ليست ضعف والهدوء ليس غيابا للموقف

من الأخطاء المتكررة أن يعتقد البعض أن البيان الدبلوماسي القوي هو بالضرورة البيان الذي يتضمن عبارات غاضبة أو اتهامات مباشرة أو تهديدات علنية.
وهذا فهم غير دقيق.
في العلاقات الدولية، قد تكون عبارة هادئة أقوى من خطاب طويل، وقد تحمل جملة واحدة رسائل سياسية وقانونية تفهمها الجهات الرسمية جيدا.
فالبلاغ المغربي جمع بين:

  • التعبير عن الانشغال العميق
  • مطالبة السلطات الإيطالية بالإسراع
  • الدعوة إلى تحقيق شامل
  • كشف كافة الملابسات
  • تقديم التوضيحات اللازمة
  • تحديد المسؤوليات
  • ضمان التطبيق الكامل للقانون

وإعطاء تعليمات صارمة للتمثيليات الدبلوماسية والقنصلية، وهذه ليست لغة اللامبالاة، بل لغة المتابعة الرسمية والمسؤولية المؤسساتية.

الجالية المغربية في إيطاليا: الوعي والمسؤولية

إن وفاة المواطن المغربي عبد الرحيم فقير فاجعة إنسانية مؤلمة، ومن الطبيعي أن يشعر أفراد الجالية المغربية بالحزن والغضب والأسى، وأن يطالبوا بالحقيقة والعدالة.
لكن قوة الجالية المغربية ورقيها يظهران في قدرتها على التمييز بين المطالبة المشروعة بالحقيقة وبين استغلال الفاجعة لتصفية حسابات أخرى.
فليس من حق أي جهة أن تجعل من ألم أسرة مغربية ومن وفاة مواطن مغربي مناسبة لتصفية حساباتها مع جمعيات أو مؤسسات أو أشخاص أو جهات لا علاقة لها مباشرة بموضوع التحقيق.

كما أن تحويل القضية إلى مادة للصراع الداخلي، أو توظيفها لتبادل الاتهامات، لا يخدم الحقيقة ولا أسرة الفقيد ولا مصالح المغاربة.
الجالية المغربية في إيطاليا جالية عريقة، واعية، حاضرة في المجتمع الإيطالي، وتحترم القانون والمؤسسات. وهي قادرة على التعبير عن مطالبها بكرامة ومسؤولية، دون أن تنجر وراء كل من يريد تحويل مأساة إنسانية إلى منصة للمزايدات.

قوة البلاغ في ما قاله وفي ما لم يقله

قوة بلاغ وزارة الخارجية لا تكمن فقط في الكلمات التي تضمنها، بل كذلك في الكلمات التي تجنبتها.
فهو لم يصدر حكما قبل انتهاء التحقيق، ولم يوجه اتهاما مسبقا ، ولم يتدخل في اختصاص القضاء الإيطالي، لكنه في المقابل لم يكتفِ بالتعزية أو التعبير عن الأسف.
لقد طالب بوضوح بـ الإسراع، والتحقيق الشامل، وكشف الملابسات، والتوضيحات، وتحديد المسؤوليات، والتطبيق الكامل للقانون، مع إصدار تعليمات صارمة للتمثيليات المغربية المعنية.

وهذه، في لغة الدبلوماسية، رسالة قوية وواضحة.
إن المطلوب اليوم هو ترك المؤسسات المختصة تقوم بعملها، ومواكبة الملف بجدية، واحترام أسرة الفقيد، والابتعاد عن المزايدات والاستغلال السياسي لهذه الفاجعة.
فالحقيقة لا تحتاج إلى ضجيج، والعدالة لا تُبنى على الانفعال، والدفاع عن المواطن المغربي لا يقاس بارتفاع الصوت، بل بقدرة المؤسسات على التحرك، وبقدرة الجالية على الحفاظ على رقيها ووحدتها ووعيها.
رحم الله الفقيد عبد الرحيم فقير، وألهم أسرته الصبر والسلوان، وأُنجزت العدالة وفق القانون.

زر الذهاب إلى الأعلى