أخبار المغرب

زكرياء أيت عبد المجيد ورهان استعادة الثقة في الصحافة

الجريدة العربية -مكتب الرباط

تفرض التحولات المتسارعة التي تعيشها الصحافة المغربية اليوم إعادة طرح سؤال جوهري يتجاوز حدود الانتخابات والاستحقاقات المهنية: أي مستقبل نريده لهذه المهنة، ومن يملك القدرة على حمل أسئلتها الجديدة والدفاع عن مكانتها واستقلاليتها وكرامة العاملين فيها؟ وفي قلب هذا النقاش يبرز ترشح الصحفي زكرياء أيت عبد المجيد لانتخابات المجلس الوطني للصحافة، حاملاً معه رهاناً يتجاوز الطموح الشخصي نحو المساهمة في فتح صفحة جديدة عنوانها التجديد واستعادة الثقة وإعادة الاعتبار للفعل المهني.

لا ينطلق هذا الرهان من وهم امتلاك حلول جاهزة لمشكلات تراكمت على امتداد سنوات، ولا من الاعتقاد بأن تغيير الوجوه وحده كفيل بإعادة ترتيب المشهد. فالصحافة، بما تواجهه اليوم من تحديات مهنية واقتصادية وتكنولوجية وأخلاقية، تحتاج إلى أكثر من ذلك بكثير: تحتاج إلى إرادة حقيقية لإعادة بناء العلاقة بين الصحفي ومؤسساته، وإلى جعل التمثيلية المهنية أكثر التصاقاً بالواقع اليومي للعاملين في القطاع، وأكثر قدرة على الدفاع عن حقوقهم والاستماع إلى انتظاراتهم.ويأتي حضور زكرياء أيت عبد المجيد في هذا السياق باعتباره تعبيراً عن جيل صحفي وجد نفسه في قلب تحولات غير مسبوقة.

جيل لم يعد يتعامل مع الصحافة بالطريقة التقليدية نفسها، بل يشتغل في فضاء تتداخل فيه الصحافة الرقمية مع شبكات التواصل الاجتماعي، وتتسارع فيه دورة الأخبار، وتتزايد فيه تحديات التحقق من المعطيات، بينما أصبح الذكاء الاصطناعي يعيد رسم جزء كبير من ملامح الصناعة الإعلامية.ومن هنا، فإن الرهان على جيل جديد لا ينبغي أن يُفهم باعتباره قطيعة مع التجارب السابقة، بل باعتباره امتداداً طبيعياً لمسار مهني يحتاج إلى التجدد باستمرار. فالشباب لا يمنحون النجاح بمجرد حضورهم، لكنهم يستطيعون منح النقاش المهني أسئلة جديدة، وزوايا مختلفة للنظر، وطاقة إضافية للانخراط في قضايا ظلت طويلاً تنتظر أجوبة أكثر واقعية وجرأة.

وتبدو كرامة الصحفي واستقلالية قراره المهني في مقدمة هذه الأسئلة. فلا يمكن الحديث عن صحافة قوية ومستقلة من دون صحفي يشعر بأن هناك مؤسسة مهنية تقف إلى جانبه، وتدافع عن حقوقه، وتعمل على تحسين شروط اشتغاله، وفي الوقت نفسه تضع أمامه مسؤوليات واضحة مرتبطة بأخلاقيات المهنة واحترام قواعدها. فالدفاع عن الصحفي لا ينفصل عن الدفاع عن جودة الصحافة، ومساءلة الممارسات المهنية لا ينبغي أن تتحول إلى ذريعة لإضعاف المهنة أو الانتقاص من مكانتها.

وفي زمن أصبحت فيه المعلومة متاحة بكميات غير مسبوقة، لم تعد المعركة الحقيقية تتمثل فقط في الوصول إلى الخبر، وإنما في القدرة على التحقق منه، وفهم سياقه، وتقديمه بمهنية ومسؤولية. ولهذا أصبح التكوين المستمر ضرورة لا خياراً، كما أصبحت مواكبة التحول الرقمي، وفهم أدوات الذكاء الاصطناعي، وتعزيز مهارات التحقق الرقمي، عناصر أساسية في بناء صحفي قادر على مواجهة صحافة المستقبل.ومن هذه الزاوية تحديداً، يمكن قراءة ترشح زكرياء أيت عبد المجيد باعتباره محاولة لإعادة وضع المستقبل المهني للصحفي في قلب النقاش المؤسساتي.

فالمجلس الوطني للصحافة لا ينبغي أن يُختزل في موعد انتخابي أو في تنافس على المقاعد، بل يفترض أن يكون فضاءً لصناعة السياسات المهنية، والدفاع عن استقلالية الصحافة، وترسيخ أخلاقياتها، والمساهمة في خلق بيئة أكثر إنصافاً للعاملين فيها.وإذا كانت الطريق نحو إصلاح المهنة طويلة ومعقدة، فإن الاعتراف بذلك هو بداية واقعية لأي مشروع جاد. فلا أحد يملك عصا سحرية، ولا يستطيع مرشح واحد أن يحمل بمفرده كل أعباء قطاع يعيش تحولات عميقة. لكن ما يمكن فعله هو إعادة الاعتبار لفكرة المشاركة، وفتح المجال أمام أصوات جديدة، وتحويل الاختلاف المهني من مصدر للتجاذب إلى فرصة لبناء رؤية أكثر نضجاً للمستقبل.

وفي هذا الاختبار، ستكون الكلمة الأخيرة للصحفيين، الذين لا يبحثون بالضرورة عن شعارات أكبر، بقدر ما يبحثون عن تمثيلية أكثر قرباً منهم، وعن خطاب يلامس واقعهم، وعن وجوه مستعدة لتحمل مسؤولية الدفاع عن المهنة في لحظات القوة كما في لحظات الاختبار.هكذا، لا يبدو رهان زكرياء أيت عبد المجيد مجرد سباق نحو مقعد داخل مؤسسة مهنية، بقدر ما يقدّم نفسه كدعوة إلى إعادة التفكير في معنى التمثيلية الصحفية نفسها: تمثيلية تستمع قبل أن تتحدث، تدافع قبل أن تتصدر، وتتحمل المسؤولية قبل أن تطلب الثقة.

زر الذهاب إلى الأعلى