أخبار المغرب

ميناء الداخلة الأطلسي: مشروع استراتيجي يقترب من النصف الثاني من الإنجاز

الجريدة العربية

في قلب التحولات الكبرى التي يعرفها المغرب على مستوى بنياته التحتية، يواصل مشروع ميناء الداخلة الأطلسي تقدمه بخطى ثابتة، مسجلًا نسبة إنجاز بلغت 57,16% على المستوى الفيزيائي، وفق آخر معطيات وزارة التجهيز والماء. رقم يعكس دينامية ورش يُراد له أن يكون أحد أعمدة التحول الاقتصادي في الأقاليم الجنوبية.

هذا المشروع، الذي تبلغ كلفته الإجمالية 12,5 مليار درهم، لا يُختزل في مجرد منشأة مينائية، بل يُقدَّم كقطب تنموي متكامل يعيد رسم معالم المنطقة، ويؤسس لمرحلة جديدة من الاندماج الاقتصادي بين المغرب وعمقه الإفريقي.

تقدم تقني ومراحل حاسمة

الاجتماع الأخير للجنة المينائية، المنعقد بالرباط، كشف عن تقدم ملحوظ في عدد من الأشغال الأساسية، من بينها انطلاق عمليات الجرف البحري، وأشغال الردم، إلى جانب تصنيع مكونات الأرصفة وتركيب وحدات الحماية البحرية (Cubipods). كما تم تسجيل تقدم على مستوى الدراسات التقنية، خصوصًا ما يتعلق بتحديث تصميم المشروع ودراسات الأمواج والجيوتقنية.

غير أن سنة 2026 تُعد مفصلية في عمر المشروع، حيث يرتقب الشروع في مراحل أكثر حساسية، على رأسها بناء الأرصفة البحرية، واستكمال عمليات التفريغ، وتثبيت التصور النهائي الشامل للميناء.

ميناء الداخلة الأطلسي

رؤية تتجاوز البنية التحتية

يقع الميناء على بعد 40 كيلومترًا شمال مدينة الداخلة، وتحديدًا بجماعة العركوب، في موقع استراتيجي يطل على الواجهة الأطلسية. هذا التموقع ليس اعتباطيًا، بل يعكس رغبة واضحة في تحويل المنطقة إلى منصة لوجستية تربط المغرب بعمقه الإفريقي وبالأسواق الدولية.

ويتجاوز المشروع الجانب المينائي ليشمل منظومة متكاملة: منطقة صناعية، قطب للصناعات البحرية، بنية لوجستية، إضافة إلى تجهيزات موازية تشمل محطة لتحلية مياه البحر، وأخرى لمعالجة المياه العادمة، ومنشآت للطاقة، فضلًا عن طريق ربط بطول 7 كيلومترات وجسر بحري يمتد على 1.200 متر.

ثلاثة أقطاب بحرية لوظائف متعددة

سيضم الميناء ثلاثة أحواض رئيسية تعكس تنوع وظائفه:

  • حوض تجاري بأرصفة تمتد على 675 مترًا، إلى جانب منشآت خدمية ونفطية
  • حوض مخصص للصيد البحري بأرصفة تصل إلى 1.662 مترًا
  • حوض لإصلاح السفن، يعزز البعد الصناعي البحري للمشروع

هذا التوزيع يؤكد أن المشروع لا يستهدف فقط تسهيل المبادلات التجارية، بل يسعى إلى خلق منظومة اقتصادية متكاملة، قائمة على تثمين الموارد البحرية وتطوير الصناعات المرتبطة بها.

رهان استراتيجي في سياق تنافسي

في سياق دولي يتسم بتسارع التنافس على الممرات البحرية وسلاسل الإمداد، يراهن المغرب على هذا المشروع لتعزيز موقعه كفاعل لوجستي إقليمي. كما يندرج في إطار رؤية أوسع تهدف إلى تنمية الأقاليم الجنوبية وجعلها بوابة اقتصادية نحو إفريقيا.

لكن، وكما هو الحال في المشاريع الكبرى، يبقى التحدي الحقيقي في ضمان الالتقائية بين البنية التحتية والاستثمار الفعلي، وبين الطموح التنموي والقدرة على جذب الفاعلين الاقتصاديين.

ميناء الداخلة الأطلسي ليس مجرد ورش مفتوح، بل مشروع استراتيجي يعكس طموح المغرب في إعادة توزيع مراكز الثقل الاقتصادي، وتوسيع مجاله الحيوي نحو الجنوب. وبين تقدم الأشغال ورهانات المستقبل، يبقى السؤال الأهم: هل سينجح هذا المشروع في التحول إلى قطب اقتصادي فعلي، أم سيظل إنجازًا هندسيًا يبحث عن دينامية استثمارية توازي حجمه؟

زر الذهاب إلى الأعلى