مجتمع

الرشيدية: إعادة هيكلة الكلية متعددة التخصصات خطوة نحو جامعة المستقبل أم إصلاح متأخر؟

الجريدة العربية

في سياق التحولات المتسارعة التي يعرفها قطاع التعليم العالي بالمغرب، صادق مجلس جامعة مولاي إسماعيل على مشروع إعادة هيكلة الكلية متعددة التخصصات بالرشيدية، في خطوة تحمل أكثر من دلالة، وتتجاوز بعدها الإداري لتلامس عمق الرؤية الاستراتيجية للدولة في إعادة تشكيل الخريطة الجامعية الوطنية.

القرار، الذي يقضي بتقسيم الكلية إلى خمس مؤسسات جامعية متخصصة، لا يمكن قراءته فقط كإجراء تنظيمي لتفكيك بنية تعليمية قائمة، بل كإعلان ضمني عن نهاية نموذج “الكلية متعددة التخصصات” بصيغته التقليدية، الذي ظل لسنوات طويلة خيارًا اضطراريًا أكثر منه اختيارًا أكاديميًا واعيًا. فهذه الكليات، التي وُلدت في سياق توسع كمي للتعليم العالي، لم تعد قادرة اليوم على مواكبة التحولات النوعية التي يفرضها سوق الشغل ولا على إنتاج معرفة متخصصة ذات قيمة مضافة.

المشروع الجديد، الذي يتضمن إحداث كليات للغات والآداب والفنون، والعلوم الإنسانية والاجتماعية، والعلوم القانونية والسياسية، والاقتصاد والتدبير، والعلوم، يعكس توجهًا واضحًا نحو التخصص الدقيق، وهو خيار يبدو متأخرًا زمنيًا، لكنه ضروري بنيويًا. فالعالم لم يعد يعترف بالمسارات الهجينة غير الواضحة، بقدر ما يراهن على الكفاءة الدقيقة، والمهارات القابلة للتوظيف، والبحث العلمي المرتبط بحاجيات المجتمع.

غير أن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه هنا: هل يكفي التقسيم الهيكلي لإحداث هذا التحول؟ أم أن الأمر يتطلب إصلاحًا أعمق يطال المضامين البيداغوجية، طرق التدريس، وتأهيل الموارد البشرية؟

تصريحات رئيس الجامعة، أبوبكر بوعياد، التي قدم فيها المشروع كـ”رافعة أساسية لتحديث العرض الجامعي”، تعكس وعيًا مؤسساتيًا بأهمية اللحظة، لكن التجارب السابقة في إصلاح التعليم العالي بالمغرب تُظهر أن الإشكال لم يكن يومًا في غياب الرؤية، بل في صعوبة التنزيل، وضعف الحكامة، وتداخل الاعتبارات البيروقراطية مع الأهداف الأكاديمية.

من جهة أخرى، يحمل هذا المشروع بعدًا مجاليًا لا يقل أهمية. فمدينة الرشيدية، التي ظلت لعقود على هامش الدينامية الجامعية الكبرى، قد تجد في هذا التحول فرصة لإعادة تموقعها كمركز أكاديمي صاعد. وهنا تتقاطع الرهانات التعليمية مع رهانات التنمية الترابية، حيث يصبح الاستثمار في الجامعة استثمارًا في الاقتصاد المحلي، وفي استقرار الكفاءات، وفي خلق نخب قادرة على التأثير داخل محيطها.

لكن هذا الطموح يظل مشروطًا بتوفير بيئة جامعية حقيقية: بنية تحتية ملائمة، أطر تربوية مؤهلة، شراكات مع الفاعلين الاقتصاديين، وربط فعلي بين التكوين والتشغيل. دون ذلك، قد يتحول المشروع إلى مجرد إعادة توزيع للأسماء والاختصاصات، دون أثر ملموس على جودة التعليم أو فرص الخريجين.

في العمق، ما يحدث اليوم في الرشيدية يعكس تحوّلًا أوسع في فلسفة التعليم العالي بالمغرب: الانتقال من منطق الاستيعاب الكمي إلى منطق الجودة والتخصص، ومن جامعة تستهلك المعرفة إلى جامعة تنتجها. غير أن هذا التحول، رغم ضرورته، يظل محفوفًا بتحديات التنفيذ، واختبار الزمن، وقدرة الفاعلين على تحويل النوايا إلى نتائج.

بين الطموح والإكراه، تبقى إعادة هيكلة كلية الرشيدية تجربة مفتوحة على كل الاحتمالات: إما أن تتحول إلى نموذج ناجح يُحتذى به في باقي جهات المملكة، أو أن تُضاف إلى سلسلة الإصلاحات التي تبدأ قوية وتنتهي بلا أثر.

زر الذهاب إلى الأعلى