أخبار الجالية

من رعاية الجذور إلى بناء الجسور: كيف تخدم وزارة الأوقاف مغاربة العالم وتعزز أمنهم الروحي واندماجهم الإيجابي؟

الجريدة العربية – ذ. يونس المشاوي

ليست عناية المملكة المغربية بأفراد جاليتها المقيمة بالخارج مجرد استجابة ظرفية لمتطلبات الهجرة أو تدبير موسمي لبعض الملفات المرتبطة بمغاربة العالم، بل هي خيار مؤسساتي راسخ يستند إلى رؤية ملكية تعتبر هذه الجالية مكوّناً أصيلاً من مكونات الأمة المغربية، وشريكاً أساسياً في صيانة الروابط الوطنية وتعزيز إشعاع المملكة في محيطها الدولي. ومن هذا المنطلق، لا تقتصر هذه العناية على الحفاظ على صلة المغاربة المقيمين بالخارج بوطنهم الأم، بل تمتد أيضاً إلى صون هويتهم الثقافية والدينية، وترسيخ ارتباطهم بالثوابت الوطنية، مع دعم اندماجهم الإيجابي والمسؤول في المجتمعات التي يعيشون فيها، بما يحول الهجرة من فضاء للابتعاد إلى مجال لبناء جسور جديدة بين المغرب والعالم.

وفي صلب هذه الرؤية، تضطلع وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بدور محوري في حماية أحد أعمق مكونات الهوية المغربية، والمتمثل في المرجعية الدينية الوطنية، وذلك من خلال منظومة متكاملة من البرامج والمبادرات الموجهة إلى أفراد الجالية المغربية بالخارج. وهي منظومة لا تختزل في التأطير الديني التقليدي، بل تجمع بين التكوين والتثقيف وخدمة القرآن الكريم، ومواكبة التحولات التي تعرفها أجيال الجالية، ولا سيما الشباب والأطفال، وتعزيز التواصل معهم بلغة تراعي خصوصياتهم وواقعهم الاجتماعي والثقافي. والغاية من ذلك هي ترسيخ الصلة بالثوابت الدينية والوطنية، في إطار من الاعتدال والوسطية والانفتاح، بما يضمن استمرار الهوية المغربية حية ومتجددة، ويعزز في الوقت نفسه قدرة أفراد الجالية على الاندماج الإيجابي في مجتمعات الإقامة دون التفريط في جذورهم وانتمائهم.

عناية ملكية سامية تتجاوز البعد المؤسساتي

إن مختلف المبادرات الموجهة إلى مغاربة العالم تندرج ضمن العناية المولوية السامية التي يوليها أمير المؤمنين، صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، لرعاياه الأوفياء المقيمين خارج أرض الوطن، ولأبنائهم الذين يمثلون امتدادا طبيعيا للمغرب في مختلف القارات.
فالجالية المغربية ليست مجرد امتداد ديموغرافي للمغرب خارج حدوده، بل هي رصيد بشري وثقافي وحضاري، وجسر متين بين المملكة ومحيطها الدولي. ومن ثم، فإن الحفاظ على ارتباط الأجيال الجديدة بالوطن لا يعني عزلها عن مجتمعات الإقامة، بل يعني تمكينها من معرفة جذورها، وفهم هويتها، والاعتزاز بانتمائها، بما يؤهلها للانخراط الإيجابي في المجتمعات الأوروبية وغيرها، باعتبارها مواطنة فاعلة، متوازنة، ومنفتحة.
ومن هذا المنظور، تتكامل العناية بالهوية مع متطلبات الاندماج، ويتحول الدين إلى مصدر للقيم الأخلاقية والإنسانية، لا إلى أداة للانغلاق أو الانعزال.

استقبال العابرين: خدمة تتجاوز الجانب اللوجستي

ومن أبرز المبادرات التي تعكس هذا الاهتمام، تنظيم برنامج خاص لاستقبال أفراد الجالية المغربية المقيمة بالخارج خلال الفترة الممتدة من 20 يوليوز إلى 20 غشت، من خلال تعبئة واسعة تشمل 970 مرشدا وواعظا وتنظيم ما يقارب 438 نشاطا دينيا وثقافيا.
وتتجاوز هذه المبادرة مجرد الاستقبال العابر، إذ يتم إحداث فضاءات تواصلية في عدد من نقط العبور، بهدف استقبال أفراد الجالية، وتقديم الإرشاد، والتعريف بمختلف الخدمات والبرامج الدينية والثقافية المتاحة.
وتشمل هذه المبادرة مجموعة من المعابر والموانئ والمطارات، من بينها: ميناء طنجة المتوسط، مطار محمد الخامس، مطار مراكش المنارة، ميناء الناظور، مطار ابن بطوطة بطنجة، مطار تطوان سانية الرمل، مطار الناظور العروي، ميناء الحسيمة، مطار وجدة أنجاد، مطار الرباط سلا، مطار أكادير المسيرة، مطار فاس سايس، مطار الشريف الإدريسي بالحسيمة، وميناء الحسيمة.
إن هذا الحضور الميداني في لحظة عودة أفراد الجالية إلى وطنهم يحمل دلالة عميقة ، فهو يجعل العبور مناسبة للتواصل والإنصات والإرشاد، ويمنح المسافر إحساسا بأن صلته بالوطن لا تنقطع بمجرد مغادرته حدوده.

المصحف المحمدي: امتداد للهوية الدينية المغربية

ومن بين العمليات الأساسية التي يشملها البرنامج، توزيع المصحف المحمدي الشريف على أفراد الجالية المغربية، مع توفير نسخ مترجمة إلى عدد من اللغات، من بينها الفرنسية والإسبانية والإنجليزية.
ولا يتعلق الأمر بمجرد توزيع كتاب الله ، بل بتعزيز حضور المرجعية الدينية المغربية، القائمة على الاعتدال والوسطية والتوازن، وتمكين أفراد الجالية، وخاصة الأجيال الصاعدة، من مصدر موثوق للمعرفة القرآنية.
فالمصحف المحمدي، بما يمثله من عناية علمية ومؤسساتية، يساهم في حماية العلاقة بالقرآن الكريم من القراءات المتطرفة أو التأويلات المنفصلة عن مقاصد الشريعة وروحها السمحة. كما أن توفير الترجمات يفتح المجال أمام الأجيال التي نشأت في بيئات لغوية مختلفة للتفاعل مع معاني القرآن الكريم وفهمها في إطار علمي رصين.

مسابقات القرآن الكريم: من الحفظ إلى بناء الشخصية

ومن البرامج النوعية التي تستهدف أبناء الجالية المغربية تنظيم مسابقة في تجويد القرآن الكريم، وهي مبادرة تحمل بعدا تربويا وثقافيا وروحيا بالغ الأهمية.
فالمسابقة القرآنية لا تقتصر على اختبار الحفظ أو جودة التلاوة، بل تساهم في تعزيز علاقة الناشئة بالقرآن الكريم، وترسيخ قيم الانضباط والمثابرة والارتباط بالثقافة الإسلامية المغربية.
كما أن تخصيص مراكز لتحفيظ القرآن الكريم لفائدة أبناء الجالية على الصعيد الوطني، يتيح للزائرين وأبنائهم فرصة الاستفادة من برامج تعليمية قرآنية خلال فترة وجودهم بالمغرب، بما يجعل العطلة الصيفية مناسبة لإعادة اكتشاف الجذور الثقافية والدينية.

أنشطة دينية وثقافية متعددة: الدين باعتباره ثقافة وقيمة

ويشمل البرنامج كذلك تنظيم أنشطة دينية وثقافية متنوعة، من بينها مسابقات في تجويد القرآن الكريم، وأمسيات للسماع والمديح النبوي، ولقاءات تواصلية، إلى جانب الاحتفال باليوم الوطني للمهاجر.
وهنا تبرز أهمية المقاربة المغربية التي لا تختزل الدين في خطاب وعظي مجرد، بل تقدمه ضمن منظومة ثقافية وروحية متكاملة، تجمع بين القرآن الكريم، والسيرة النبوية، والمديح والسماع، والذاكرة الوطنية، وقيم التضامن والتعايش.
كما أن هذه الأنشطة تتيح لأبناء الجالية، وخاصة الأجيال الثانية والثالثة، التعرف على جزء من التراث الديني والثقافي المغربي، بما يساهم في بناء هوية متوازنة لا تقوم على القطيعة مع المجتمع المضيف، ولا على الذوبان الكامل وفقدان الصلة بالجذور.

تعريف الجالية بمشروع «الدار الكبيرة»

ومن المبادرات ذات البعد الرمزي والوطني أيضا تعريف أفراد الجالية بالمشروع الوقفي «الدار الكبيرة»، وتحفيزهم على المساهمة فيه عبر سندات وقفية.
ويحمل هذا المشروع دلالة عميقة في الوعي المغربي ، ففكرة الوقف تقوم على تحويل العطاء الفردي إلى أثر مستدام، يخدم الأجيال والمجتمع. ومن خلال إشراك الجالية في هذه المبادرات، يتم تعزيز شعورها بأنها شريك حقيقي في بناء الوطن، وأن مساهمتها لا تنحصر في التحويلات المالية أو الزيارات الموسمية، بل يمكن أن تمتد إلى مشاريع ذات أثر اجتماعي وديني وتنموي مستدام.

المنصات الرقمية: الدين في فضاء الأجيال الجديدة

ولأن الأجيال الجديدة من أبناء الجالية تعيش في فضاء رقمي مفتوح، فقد أولت الوزارة أهمية خاصة للمنصات والخدمات الرقمية، التي تتيح الوصول إلى محتويات دينية وعلمية وثقافية متنوعة.
وتقدم هذه المنصات موادا تعليمية وإرشادية، ومحتويات قرآنية، ودروسا وبرامج متعددة اللغات، بما يسمح لأفراد الجالية بالتفاعل مع المعرفة الدينية من خلال الوسائط التي أصبحت جزءا أساسيا من حياتهم اليومية.
وهذه المقاربة الرقمية تمثل انتقالا مهما من نموذج التأطير التقليدي إلى نموذج أكثر مرونة وانتشارا، يجعل المعرفة الدينية الموثوقة متاحة للشاب المغربي المقيم في أوروبا، أينما كان، ويمنحه بديلا علميا ورصينا عن المحتويات غير الموثوقة المنتشرة في الفضاء الرقمي.

الأمن الروحي: تحصين من الغلو دون انغلاق

تكتسي هذه البرامج أهمية خاصة في سياق دولي يعرف انتشار خطابات دينية متناقضة، بعضها يقوم على الغلو والتشدد، وبعضها الآخر يدفع نحو القطيعة الكاملة مع الدين والهوية.
وفي مواجهة هذه التحديات، تبرز خصوصية النموذج المغربي في تدبير الشأن الديني، القائم على إمارة المؤمنين، والمذهب المالكي، والعقيدة الأشعرية، والتصوف السني المغربي، باعتبارها مكونات أساسية لمرجعية دينية متوازنة، قادرة على الجمع بين الثبات والانفتاح.
فالأمن الروحي لا يعني الانغلاق، كما أن الاعتدال لا يعني التنازل عن الثوابت. بل إن تحصين أبناء الجالية من الغلو والتطرف يقتضي تمكينهم من معرفة دينية صحيحة، قادرة على مخاطبة أسئلتهم المعاصرة، ومساعدتهم على فهم أن الالتزام بالدين لا يتعارض مع احترام القانون، ولا مع المواطنة، ولا مع المشاركة الإيجابية في المجتمع.

الاندماج لا يعني الذوبان

إن أحد أهم عناصر قوة المقاربة المغربية يتمثل في قدرتها على التمييز بين الاندماج والذوبان.
فالاندماج الحقيقي يعني أن يكون الإنسان قادرا على المشاركة الكاملة في الحياة الاجتماعية والمدنية والاقتصادية والسياسية للمجتمع الذي يعيش فيه، مع احتفاظه بكرامته وهويته وذاكرته وقيمه.
أما الذوبان، فيعني فقدان الصلة بالجذور والذاكرة والانتماء.
ومن هنا، فإن ترسيخ الثقافة الدينية المغربية لدى أبناء الجالية لا ينبغي أن يُفهم باعتباره دعوة إلى الانعزال، بل على العكس، هو وسيلة لبناء شخصية واثقة من ذاتها، قادرة على الحوار مع الآخر، واحترام الاختلاف، والمساهمة في المجتمع من موقع التوازن والثقة.
فالمغربي الذي يعرف هويته جيدا يكون أكثر قدرة على الانفتاح. والشاب الذي يفهم دينه فهما صحيحا يكون أقل عرضة للخطابات المتطرفة. والإنسان الذي يعتز بجذوره يكون أكثر استعدادا للتفاعل الإيجابي مع محيطه.

تكامل الأدوار بين المؤسسات والفاعلين الدينيين بأوروبا

وإذا كانت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية تضطلع بدور مركزي في توفير المرجعية والتأطير والبرامج والمضامين، فإن نجاح هذه الجهود يتطلب، بطبيعته، تكاملها مع أدوار مختلف الفاعلين في الحقل الديني والثقافي بأوروبا.
وهنا تبرز أهمية مؤسسات وهيئات مثل الكنفدرالية الإسلامية الإيطالية والمجلس الأوروبي للعلماء المغاربة، إلى جانب المساجد والمراكز الإسلامية والجمعيات والمؤسسات الثقافية المغربية والأوروبية.
فدور هذه المؤسسات لا ينبغي أن يكون بديلا عن المرجعية الدينية الرسمية، وإنما مكملا لها، من خلال:

التأطير الديني والعلمي الرصين

تكوين الأئمة والوعاظ والفاعلين الدينيين

تنظيم الندوات والمحاضرات واللقاءات التربوية

مواكبة الشباب والأجيال الجديدة

تعزيز ثقافة المواطنة والحوار بين الأديان والثقافات

مواجهة خطابات الغلو والتطرف والكراهية

تقديم قراءة متوازنة للإسلام تتلاءم مع السياق الأوروبي دون التفريط في الثوابت

المساهمة في بناء جسور التواصل بين المؤسسات المغربية والمجتمعات الأوروبية

ومن هذا المنطلق، فإن العمل الديني في أوروبا يحتاج إلى شراكة مؤسساتية واسعة، تتكامل فيها جهود الوزارة، والمؤسسات العلمية، والمجالس الدينية، والكنفدراليات الإسلامية، والمراكز الثقافية، والمساجد، والفاعلين الأكاديميين والاجتماعيين.

من رعاية الجالية إلى الاستثمار في المستقبل

إن البرامج التي تنفذها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية لفائدة مغاربة العالم تعكس تحولا مهما في مفهوم خدمة الجالية. فلم يعد الأمر مقتصرا على تقديم خدمات موسمية، بل أصبح يتعلق ببناء منظومة متكاملة، تجمع بين القرآن الكريم، والتعليم، والثقافة، والهوية، والرقمنة، والتواصل، والتأطير الروحي.
والأهم من ذلك أن هذه المبادرات تستهدف المستقبل، لأن أبناء الجالية اليوم ليسوا مجرد زائرين للمغرب، بل هم سفراء هويته وثقافته في العالم.
ومن ثم، فإن الاستثمار في علاقتهم بالوطن، وتعريفهم بمرجعيتهم الدينية، وتمكينهم من فهم دينهم في إطار الاعتدال والوسطية، هو استثمار في استقرارهم النفسي والاجتماعي، وفي قدرتهم على المساهمة الإيجابية في مجتمعات الإقامة.

وطن يحفظ الصلة ولا يفرض القطيعة

إن العناية الملكية السامية بمغاربة العالم، وما تترجمه وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية من برامج ومبادرات، تؤكد أن المغرب ينظر إلى جاليته باعتبارها جزءا أصيلا من أمته، وأن البعد الجغرافي لا يمكن أن يلغي الانتماء ولا أن يقطع الصلة بالوطن.
إنها فلسفة تقوم على رعاية الجذور دون إغلاق الأبواب، وعلى حماية الهوية دون رفض الآخر، وعلى ترسيخ الدين دون إنتاج التشدد، وعلى تشجيع الاندماج دون الدعوة إلى الذوبان.
وفي عالم تتزايد فيه تحديات الهوية، وتتعدد فيه مصادر التأثير، وتنتشر فيه القراءات الدينية المتطرفة والمحتويات غير الموثوقة، تكتسب هذه الجهود أهمية استراتيجية بالغة.
إنها، في جوهرها، امتداد لعناية ملكية سامية برعايا جلالة الملك في الخارج، وترجمة عملية لرؤية تجعل من الدين مصدرا للسكينة، ومن الهوية جسرا لا جدارا، ومن الاعتدال طريقا إلى المواطنة، ومن الانتماء إلى الوطن قوة للانفتاح على العالم.
فالمغرب لا يريد لأبنائه في الخارج أن يختاروا بين جذورهم ومستقبلهم، بل يريد لهم حمل جذورهم بثقة، و بناء مستقبلهم بوعي، ويكونوا جسورا حقيقية بين المغرب والعالم.

زر الذهاب إلى الأعلى