فضاء المرأة

حصري : تفاقم بطالة النساء في المغرب… أرقام صادمة وتحديات هيكلية

الجريدة العربية

في الوقت الذي تشير فيه المؤشرات الاقتصادية الوطنية إلى بوادر انتعاش خجول، يبدو أن النساء المغربيات لا يجنين من هذه التحولات سوى مزيد من الإقصاء والهشاشة. فرغم تسجيل تراجع طفيف في معدل البطالة على الصعيد الوطني، كشفت معطيات رسمية صادرة عن المندوبية السامية للتخطيط أن بطالة النساء تسير في اتجاه تصاعدي مثير للقلق، مما يطرح علامات استفهام كبيرة حول جدوى السياسات العمومية المعتمدة في مجال الإدماج المهني والمساواة الاقتصادية.

فحسب تقرير المندوبية برسم الربع الثاني من سنة 2025، بلغ معدل بطالة النساء 19,9%، بزيادة قدرها 2,2 نقطة مئوية مقارنة بنفس الفترة من السنة الماضية، مقابل تراجع معدل البطالة لدى الرجال من 11,7% إلى 10,8%. وهي مفارقة صادمة تكشف أن التحسن الطفيف في المؤشرات العامة يخفي واقعًا شديد القسوة بالنسبة لفئة النساء، وخصوصًا في العالم القروي والقطاعات غير المهيكلة.

تأتي هذه الأرقام في سياق أزمة مناخية خانقة تسببت في تراجع الإنتاج الزراعي وتدمير أزيد من 108 آلاف منصب شغل في القطاع الفلاحي، وهو ما انعكس سلبًا على اليد العاملة النسائية التي تشتغل في ظروف هشة وبدون حماية قانونية أو اجتماعية. إذ لطالما كان القطاع الزراعي متنفسًا اقتصاديا لآلاف النساء، غير أن تبعات الجفاف وضعف التساقطات المطرية حولته إلى عبء يضاعف الفقر والتهميش.

المكاسب الظاهرية تغطي اختلالات عميقة

في مقابل هذه الخسائر، عرف قطاع البناء والأشغال العامة إضافة 74 ألف منصب شغل، و 35 ألفًا منصب في قطاع الخدمات، والصناعة حوالي 2000 منصب شغل ، ما ساهم في خفض طفيف للمعدل العام للبطالة من 13,1% إلى 12,8%. غير أن هذه الدينامية الجديدة لم تكن شاملة، حيث لم تستفد منها النساء بالقدر المطلوب، وهو ما يعكس استمرار فجوة بنيوية في توزيع فرص الشغل بين الجنسين.

إلى جانب البطالة الظاهرة، تواجه النساء ظاهرة أكثر خطورة وهي “البطالة المقنّعة” أو ما يُعرف بسوء التشغيل، إذ تجد آلاف المغربيات أنفسهن مجبرات على العمل لساعات طويلة في ظروف غير إنسانية، ومن دون عقود أو تأمين صحي أو حتى حد أدنى من الحقوق. ويتمركز هذا النمط من الشغل في قطاعات كالخدمة المنزلية، الخياطة و النسيج ، الصناعة التقليدية، التجارة غير المهيكلة، والنقل غير المنظم.

سياسات عمومية عاجزة أمام الواقع والرهان التنموي معطّل بدون إنصاف النساء

ورغم إطلاق العديد من البرامج والسياسات الهادفة إلى النهوض بوضعية النساء، كدعم المقاولة النسائية، وتحفيز المشاركة الاقتصادية، وتفعيل برامج التكوين، إلا أن آثار هذه الجهود تبقى محدودة على أرض الواقع. إذ غالبًا ما تُقصى النساء في المناطق النائية من الاستفادة بسبب ضعف الولوج إلى المعلومة، ومحدودية التأطير، وغياب المواكبة الحقيقية.

إن تفاقم البطالة في صفوف النساء لا يجب أن يُقرأ فقط كمشكلة اجتماعية، بل هو أيضًا كعائق حقيقي أمام تحقيق النمو الاقتصادي الشامل. فكل المؤشرات الدولية تؤكد أن رفع نسبة مشاركة النساء في سوق الشغل من شأنه أن يضيف نقاطًا مئوية إلى معدل النمو الوطني، ويساهم في تقليص الفوارق الاجتماعية وتعزيز التماسك المجتمعي.

ومن هذا المنطلق، تبرز ضرورة مراجعة السياسات العمومية وتبني مقاربة أكثر شمولية وواقعية، ترتكز على تأهيل النساء، وتمكينهن اقتصاديًا، وضمان ظروف عمل لائقة وآمنة، والقطع مع منطق التعامل مع النساء كمجرد أرقام في التقارير، وليس كقوة إنتاجية واستراتيجية حقيقية لبناء مغرب متوازن ومنصف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى