
تجار الفضيلة في الجامعة: عندما يصبح “الدفاع عن القيم” غطاء للانتهازية
الجريدة العربية -مكتب الرباط
في كل مرة تهتز فيها جامعة ابن طفيل على وقع خلاف أو أزمة، يخرج علينا بعض محترفي التملق والانتهازية ببيانات وتدوينات متخمة بالمواعظ الجوفاء عن “الكرامة” و”الإنصاف” و”الدفاع عن المرأة”، وكأنهم أنبياء الفضيلة وحراس الأخلاق في الجامعة المغربية. والحقيقة أن الأزمة لم تعد في وجود التضامن، بل في نوعية المتضامنين، وفي هذا الكم الهائل من النفاق الأكاديمي الذي يحاول إعادة تدوير نفسه عبر الشعارات الرنانة والبطولات الافتراضية.
فمن المثير للسخرية أن يتحول أستاذ قزم تحوم حوله شبهات أخلاقية ومهنية متداولة داخل الأوساط الجامعية إلى واعظ موسمي يوزع صكوك النزاهة على الآخرين. أيُّ أخلاق يتحدث عنها من حوّل معاناة بعض طلبة الدكتوراه إلى فرصة للابتزاز المقنع تحت لافتة “التكوينات العلمية” المؤدى عنها؟ وأيُّ مصداقية بقيت لشخص ارتبط اسمه داخل الجامعة بأدوار مشبوهة في “السمسرة الأكاديمية” وتسهيل النشر في مجلات تفتقر إلى أبسط شروط الاحترام العلمي؟
الأكثر وقاحة أن من يصرخ اليوم ضد “الظلم” و”الشطط” هو نفسه ممن اعتادوا الغياب الطويل عن الجامعة، والانشغال بحياة مريحة خارج الوطن، مع الحرص على الجمع بين الامتيازات هنا وهناك، وكأن المؤسسة الجامعية مجرد مورد مالي موسمي لا أكثر. وحين تتضرر مصالحهم أو تهتز شبكات علاقاتهم، يتحولون فجأة إلى مناضلين افتراضيين يكتشفون فجأة لغة القيم والحقوق والكرامة.
ثم بأي حق يمنح شخص لا علاقة تنظيمية له بالكلية، ولا معرفة حقيقية له بتفاصيلها الداخلية، لنفسه سلطة الحديث باسمها وتقديم الدروس في الأخلاق والتسيير؟ أهو حرص صادق على المؤسسة؟ أم مجرد تسول للبطولة عبر بوابة التملق وإعادة التموضع داخل شبكات النفوذ والمصالح؟
إن أخطر ما في هذه النماذج ليس فقط تناقضها الفج، بل إصرارها على استغباء الرأي العام الجامعي، ومحاولة تسويق صورة زائفة عن “المناضل الشريف”، بينما الحقيقة أن بعضهم لا يتحرك إلا حين تكون المصالح الشخصية مهددة، ولا يرفع صوته إلا عندما تتقاطع المعارك مع حساباته الضيقة.
أما المتاجرة بخطاب “الدفاع عن المرأة”، فقد أصبحت بدورها ورقة استهلاكية تُستخدم بانتقائية فاضحة. فمن يتباكى اليوم على الكرامة والإنصاف هو نفسه من لا يتردد في مهاجمة نساء أخريات أو التشهير بهن أو إطلاق الأحكام المجانية ضدهن حين تخدمه الظروف والمصالح. وهنا تسقط كل الأقنعة، لأن الأخلاق لا تُفصل حسب المزاج، والعدالة لا تُمارس بمنطق الانتقام والاصطفاف.
إن الجامعة المغربية ليست في حاجة إلى مزيد من الأصوات الانتهازية التي تتقن لعب دور الضحية والمناضل حسب تغير المناخ والمصلحة، بل تحتاج إلى رجال ونساء يمتلكون الحد الأدنى من الانسجام الأخلاقي بين القول والفعل. أما أولئك الذين احترفوا التملق وركوب الموجات وصناعة الضجيج الافتراضي، فقد أصبحوا مكشوفين أمام الجميع، مهما حاولوا الاحتماء بشعارات القيم والكرامة.