صحة

مستشفى السلامة بقلعة السراغنة… حين يصبح إصلاح الصحة قضية دولة لا مجرد مشروع بناء

الجريدة العربية – بوحافة العربي *

لا تقاس قوة الدولة في عدد مشاريعها فقط، بل في قدرتها على ضمان حق المواطن في العلاج الكريم أينما كان. ومن هذا المنطلق، فإن ما يعيشه قطاع الصحة بإقليم قلعة السراغنة يستحق أن يتحول إلى ورش إصلاحي عاجل، لا لأن الإقليم يطالب بمعاملة استثنائية، وإنما لأنه يطالب بما يكفله الدستور لكل مواطن، والمتمثل في حق الولوج إلى خدمات صحية تحفظ الكرامة وتصون الحياة.

لقد ظل مستشفى السلامة، لسنوات طويلة، يتحمل أعباءً تفوق بكثير قدرته الاستيعابية. فهو يخدم إقليماً واسعاً يضم مئات الآلاف من السكان، في وقت تعرف فيه المنظومة الصحية المحلية خصاصاً في عدد من التخصصات، وضغطاً متزايداً على مصالح المستعجلات، ونقصاً في الموارد البشرية والتجهيزات مقارنة بحجم الطلب المتزايد على الخدمات الصحية.

وليس من الإنصاف تحميل المسؤولية للطواقم الطبية والتمريضية وحدها. فكثير من الأطر تشتغل في ظروف صعبة، وتواجه ضغطاً يومياً يفوق الإمكانيات المتاحة. لكن الإنصاف نفسه يقتضي الاعتراف بأن المنظومة، في شكلها الحالي، لم تعد قادرة على مواكبة الحاجيات الصحية لإقليم يشهد نمواً سكانياً متواصلاً.

كل يوم، تضطر سيارات الإسعاف إلى نقل المرضى نحو المركز الاستشفائي الجامعي بمراكش بسبب غياب تخصصات أو تجهيزات لا غنى عنها. وبين لحظة اتخاذ قرار النقل ولحظة الوصول إلى مراكش، تدخل حياة كثير من المرضى في سباق مع الزمن، وهو وضع لا يمكن أن يستمر في دولة جعلت تعميم الحماية الاجتماعية وإصلاح المنظومة الصحية من بين أولوياتها الاستراتيجية.

وفي المقابل، يشهد القطاع الصحي الخاص توسعاً ملحوظاً داخل الإقليم. وهذا أمر طبيعي في ظل اقتصاد مفتوح، لكن وجود قطاع خاص قوي لا يمكن أن يكون بديلاً عن مستشفى عمومي قوي. فالعدالة الصحية تقتضي أن يظل القطاع العمومي هو الضامن الأساسي للعلاج، بينما يشكل القطاع الخاص شريكاً مكملاً، لا بديلاً يفرضه ضعف المرفق العمومي.

إن الإعلان عن مشروع المستشفى الإقليمي الجديد يمثل خطوة إيجابية طال انتظارها، ويعكس إرادة الدولة لتجاوز اختلالات الماضي. غير أن المواطنين لم يعودوا ينتظرون الإعلانات بقدر ما ينتظرون رؤية الآليات وهي تشتغل، والأشغال وهي تتقدم، والآجال وهي تُحترم. فنجاح المشروع لن يقاس بحفل إعطاء الانطلاقة، وإنما بتاريخ افتتاحه واستقبال أول مريض بين جدرانه، والتنعم بما يفيئ به من خير ينعكس على الصحة العامة لأبناء الإقليم.

وفي انتظار ذلك، تبدو الحاجة ملحة إلى إجراءات استعجالية لا تحتمل التأجيل، كتعزيز الموارد البشرية، توفير التجهيزات الأساسية، إصلاح الأعطاب التقنية، تقليص آجال المواعيد، وتطوير خدمات المستعجلات، حتى لا يبقى المواطن رهينة لمقصلة الانتظار أو مضطراً إلى التنقل مئات الكيلومترات بحثاً عن حقه في العلاج.

كما أن المرحلة تفرض تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة داخل كل مستويات التدبير. فكل درهم يُخصص للصحة يجب أن يصل إلى هدفه، وكل مسؤول عن تدبير هذا القطاع الحيوي مطالب بتقديم حصيلة واضحة وقابلة للتقييم، لأن الثقة تُبنى بالنتائج لا بالشعارات.

كا يقع على عاتق المنتخبين والبرلمانيين والفاعلين المحليين دور أكبر من مجرد طرح الأسئلة أو إصدار البلاغات. فالمطلوب منهم اليوم يرقى إلى الترافع المؤسساتي الجاد، والمتابعة اليومية للمشاريع، والدفاع عن مصالح الإقليم داخل دوائر القرار، بعيداً عن الحسابات الانتخابية الضيقة.

إن قلعة السراغنة ليست إقليماً هامشياً، بل منطقة ذات وزن ديموغرافي واقتصادي مهم، ساهم أبناؤها داخل المغرب وخارجه في بناء الاقتصاد الوطني، ومن حقها أن تستفيد من بنية صحية تواكب هذا الدور.

ولا يحتاج الإقليم إلى خطابات متشائمة أو إلى مزايدات سياسية، بل يحتاج إلى قرار تنفيذي سريع، وإلى تعبئة جماعية تجعل من المستشفى الجديد نقطة تحول حقيقية، لا مجرد إضافة عمرانية.

وعليع فإن إصلاح مستشفى السلامة ليس مطلباً محلياً فحسب، بل هو اختبار لقدرة السياسات العمومية على تحويل الأوراش الملكية الكبرى في مجال الحماية الاجتماعية إلى واقع يلمسه المواطن في حياته اليومية. وعندما يشعر المواطن بأن العلاج أصبح متاحاً بالقرب منه، وبأن كرامته مصونة داخل المؤسسة الصحية، عندها فقط يمكن القول إن الإصلاح بلغ هدفه الحقيقي.

زر الذهاب إلى الأعلى