أخبار المغرب

خطاب العرش: المغرب الصناعي.. تحول استراتيجي نحو اقتصاد القيمة المضافة

الجريدة العربية

قراءة في الخطاب الملكي السامي: الجزء الثاني

يشكل الجانب الاقتصادي أحد المحاور الأساسية التي احتلت مساحة واسعة في الخطاب الملكي، باعتباره المجال الذي يعكس بشكل واضح التحولات العميقة التي عرفها المغرب خلال السنوات الأخيرة. فقد قدم جلالة الملك صورة لمملكة لم تعد تكتفي بدور اقتصادي تقليدي قائم على بعض القطاعات المعروفة، وإنما انتقلت تدريجيا نحو بناء اقتصاد أكثر تنوعا، يعتمد على الصناعة المتقدمة، والتكنولوجيا، والابتكار، والاندماج في سلاسل الإنتاج العالمية. وهذا التحول يعكس اختيارا استراتيجيا يقوم على جعل الإنتاج الصناعي أحد المحركات الرئيسية للنمو، وعلى الانتقال من اقتصاد يعتمد على تصدير المواد الأولية والخدمات التقليدية إلى اقتصاد يخلق قيمة مضافة حقيقية.

إن الحديث عن التطور الصناعي المغربي لا يمكن اختزاله في الأرقام والمعطيات التقنية فقط، بل يجب فهمه باعتباره جزءا من مشروع وطني يهدف إلى إعادة تموقع المغرب داخل الاقتصاد العالمي. فاستقطاب كبريات الشركات العالمية، وتطوير مناطق صناعية متخصصة، وتكوين كفاءات بشرية قادرة على مواكبة التحولات التكنولوجية، كلها عناصر تؤكد أن المملكة تسعى إلى بناء منظومة إنتاجية متكاملة وليس مجرد استضافة وحدات صناعية أجنبية.

ويبرز قطاع صناعة السيارات كأحد أبرز الأمثلة على هذا التحول النوعي، بعدما أصبح المغرب أول مصدر للسيارات في إفريقيا، بطاقة إنتاجية تقارب مليون سيارة سنويا. غير أن أهمية هذا الإنجاز لا تكمن فقط في حجم الإنتاج، وإنما في طبيعة التحول الذي أحدثه داخل النسيج الاقتصادي الوطني؛ إذ انتقلت المملكة من موقع المستهلك إلى موقع المنتج، ومن سوق محدودة إلى منصة صناعية ترتبط بالأسواق الدولية الكبرى، خاصة السوق الأوروبية.

لقد ساهم هذا القطاع في خلق منظومة صناعية واسعة تضم شركات عالمية ومقاولات وطنية صغرى ومتوسطة، كما فتح المجال أمام تطوير خبرات محلية في مجالات الهندسة والتصنيع والمكونات الإلكترونية والميكانيكية. وهذا ما يجعل صناعة السيارات نموذجا لمسار أوسع يطمح المغرب من خلاله إلى بناء اقتصاد تنافسي قادر على إنتاج المعرفة والتكنولوجيا وليس فقط استغلال اليد العاملة.

ولا يقل قطاع الطيران أهمية عن ذلك، إذ يعكس بدوره انتقال المغرب نحو صناعات أكثر تعقيدا ودقة. فالإشارة الملكية إلى دخول المملكة نادي الدول التي تتوفر على مراكز صناعية في مجال صناعة محركات وأنظمة هبوط الطائرات تحمل دلالة استراتيجية، لأنها تعني أن الطموح المغربي لم يعد مقتصرا على استقبال الاستثمارات الخارجية، بل أصبح مرتبطا ببناء قدرات صناعية وتقنية وطنية قادرة على التعامل مع مجالات ذات قيمة مضافة مرتفعة.

إن هذا المسار يؤكد أن المغرب يعمل على تغيير طبيعة اقتصاده، عبر الانتقال من نموذج يعتمد أساسا على القطاعات التقليدية إلى نموذج يقوم على الصناعة المتقدمة، والتكنولوجيا، والابتكار، وهو التحول الذي يمثل أحد الشروط الأساسية لتعزيز موقع المملكة ضمن الاقتصادات الصاعدة.

السيادة الوطنية.. عنوان المرحلة المقبلة

من بين أبرز المفاهيم الجديدة التي طغت على الخطاب الملكي مفهوم السيادة الوطنية بمختلف أبعادها. فقد أظهر الخطاب أن المرحلة المقبلة لن تكون فقط مرحلة تحقيق النمو الاقتصادي، وإنما مرحلة بناء قدرة وطنية أكبر على مواجهة التحولات العالمية، وتقوية الاستقلالية في القطاعات الحيوية.

لقد كشفت السنوات الأخيرة، خاصة خلال جائحة كورونا وما تبعها من اضطرابات في سلاسل التوريد العالمية، أن الدول التي تمتلك قواعد إنتاجية قوية هي الأكثر قدرة على الصمود أمام الأزمات. ولذلك أصبحت مفاهيم مثل الأمن الغذائي، والأمن الدوائي، والسيادة الصناعية، والأمن التكنولوجي، جزءا أساسيا من الاستراتيجيات الوطنية للدول الكبرى.

وفي هذا السياق، جاء تأكيد الخطاب الملكي على أهمية الصناعات الغذائية والدوائية باعتبارها من المجالات التي حققت فيها المملكة تقدما مهما في تغطية الحاجيات الوطنية. فامتلاك قاعدة إنتاجية داخلية في هذه القطاعات لا يرتبط فقط بالجانب الاقتصادي، وإنما يرتبط مباشرة بالأمن الوطني وقدرة الدولة على ضمان استمرارية الإمدادات في الظروف الاستثنائية.

كما أن الحديث عن تطوير قاعدة صناعية وتكنولوجية في مجال الصناعات الدفاعية والأمن السيبراني يمثل تحولا مهما في الرؤية الاستراتيجية للمغرب. فالعالم اليوم لا يقيس قوة الدول فقط بحجم جيوشها أو اقتصادها، وإنما بقدرتها على امتلاك التكنولوجيا، وحماية فضائها الرقمي، وتطوير صناعات استراتيجية مرتبطة بالأمن والدفاع.

إن توجه المغرب نحو هذه المجالات يعكس إدراكا بأن السيادة في القرن الحادي والعشرين أصبحت مرتبطة بالمعرفة والابتكار والقدرة على الإنتاج. فالدول التي تستهلك التكنولوجيا فقط تبقى رهينة للآخرين، بينما الدول التي تنتج المعرفة والتكنولوجيا تمتلك هامشا أكبر من الاستقلالية والقدرة على التأثير.

الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر.. رهان المغرب على اقتصاد المستقبل

لم يكتف الخطاب الملكي بتقييم الحاضر، بل توجه بقوة نحو استشراف المستقبل، خاصة في مجال الطاقة، باعتباره أحد أهم الملفات التي ستحدد موازين القوة الاقتصادية خلال العقود المقبلة. وفي هذا الإطار، أكد الخطاب أن المغرب يواصل بناء نموذج طاقي جديد يجعل من الطاقات المتجددة ركيزة للأمن الطاقي ورافعة لجذب الاستثمارات والصناعات المستقبلية.

لقد اختار المغرب منذ سنوات الاستثمار في الطاقة الشمسية والريحية، مدركا أن التحول العالمي نحو الاقتصاد الأخضر سيخلق فرصا جديدة للدول القادرة على توفير طاقة نظيفة وتنافسية. واليوم، أصبحت هذه الاستراتيجية تشكل جزءا من رؤية أوسع تهدف إلى جعل المملكة منصة صناعية خضراء تربط بين القرب الجغرافي من الأسواق الأوروبية، والإمكانات الطبيعية الكبيرة التي تتوفر عليها.

ويأتي مشروع الهيدروجين الأخضر في صلب هذا الرهان، باعتباره أحد المجالات التي يتوقع أن تلعب دورا محوريا في مستقبل الطاقة العالمية. فالمغرب يسعى إلى الاستفادة من مؤهلاته الطبيعية ومن بنياته التحتية وموقعه الجغرافي لتطوير هذا القطاع، وجذب استثمارات كبرى يمكن أن تفتح آفاقا جديدة أمام الاقتصاد الوطني.

غير أن أهمية هذا المشروع لا تكمن فقط في إنتاج الطاقة، وإنما في قدرته على خلق منظومات صناعية جديدة مرتبطة بالتكنولوجيا، والهندسة، والصناعة التحويلية، بما يمكن أن يساهم في خلق فرص عمل جديدة وتعزيز تنافسية الاقتصاد المغربي.

وهكذا، فإن الرهان الطاقي المغربي يتجاوز مسألة تقليص الاعتماد على الخارج، ليصبح جزءا من مشروع أكبر يهدف إلى جعل المملكة فاعلا مؤثرا في الاقتصاد الأخضر العالمي.

التنمية الاجتماعية.. منطق تحويل النمو إلى أثر ملموس

رغم الحضور القوي للبعد الاقتصادي والصناعي في الخطاب الملكي، فإن البعد الاجتماعي ظل حاضرا باعتباره الغاية النهائية لكل مسار تنموي. فقد أكد جلالة الملك أن التنمية لا يمكن أن تقاس فقط بحجم الاستثمارات أو نسب النمو، وإنما بقدرتها على تحسين ظروف عيش المواطنين وتحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية.

وفي هذا الإطار، جاء التأكيد على مواصلة تنزيل برامج الحماية الاجتماعية، والتنمية البشرية، والتنمية الترابية المندمجة، باعتبارها آليات أساسية لضمان استفادة مختلف فئات المجتمع ومختلف مناطق المملكة من ثمار التنمية.

فالمرحلة المقبلة تفرض تحديا كبيرا يتمثل في الانتقال من منطق بناء المشاريع إلى منطق قياس أثرها الاجتماعي. إذ إن نجاح أي نموذج تنموي لا يتحدد فقط بعدد المصانع التي تم إنشاؤها أو حجم الاستثمارات التي تم استقطابها، وإنما بمدى انعكاس ذلك على الحياة اليومية للمواطنين، خصوصا في المجالات المرتبطة بالتشغيل، والصحة، والتعليم، والخدمات الأساسية.

ومن هنا تأتي أهمية التركيز الملكي على التنمية الترابية المندمجة، لأنها تعكس وعيا بأن التنمية لا يمكن أن تكون متوازنة إذا ظلت بعض المناطق تعاني من التأخر أو محدودية فرص الاستثمار. فالمغرب الصاعد الذي يراد بناؤه هو مغرب الجهات والمجالات المتكاملة، وليس فقط مغرب المراكز الاقتصادية الكبرى.


* يتبع في الجزء الثالث والأخير: دور القطاع المالي، المغرب كشريك دولي موثوق، دلالات الانتخابات المقبلة، وخلاصة تحليلية للخطاب الملكي باعتباره خارطة طريق لمرحلة جديدة.

الجزء الأول من القراءة التحليلية للخطاب الملكي السامي
الجزء الثالث من القراءة التحليلية للخطاب الملكي السامي

زر الذهاب إلى الأعلى