اقتصاد

النمو الاقتصادي المغربي في مرحلة إعادة التوازن الكبرى

الجريدة العربية – الرباط

تدخل الاقتصاد الوطني خلال سنة 2026 مرحلة انتقالية تتسم بمفارقة لافتة بين صلابة بعض المؤشرات الماكرو-اقتصادية وتباين أداء القطاعات الإنتاجية. فبحسب آخر تقرير للبنك الدولي حول تتبع الوضع الاقتصادي، يُتوقع أن يحقق المغرب نمواً بنسبة 4.2 في المائة خلال السنة الجارية، بعد تسجيل 4.9 في المائة سنة 2025، بما يعكس تباطؤاً نسبياً في الدينامية العامة، لكنه يكشف في المقابل عن تحول أعمق في بنية النمو.

ويبرز الاستثمار باعتباره أحد أبرز محركات النشاط الاقتصادي، مدعوماً بسياسة عمومية تقوم على إطلاق أوراش كبرى في البنيات التحتية والتجهيز. ومن المنتظر أن ترتفع نسبة تكوين رأس المال الثابت الإجمالي بنسبة 11.2 في المائة خلال 2026، في مؤشر على استمرار دورة استثمارية واسعة النطاق، ترتبط بشكل خاص بالتحضيرات الجارية لاستضافة كأس العالم 2030، وما يرافقها من مشاريع في النقل والمنشآت الرياضية والتأهيل الحضري.

غير أن هذه الدينامية الاستثمارية لا تخفي وجود مؤشرات تستدعي الانتباه، خصوصاً في قطاعي البناء والصناعة. فقد سجلت مبيعات الإسمنت تراجعاً بنسبة 11 في المائة خلال الفصل الأول من 2026 مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية، في حين انخفض معدل استخدام الطاقات الصناعية بـ1.2 نقطة بين دجنبر ومارس، وهو ما قد يعكس تفاوتاً بين وتيرة إطلاق المشاريع الكبرى وبين مستوى الطلب الفعلي في بعض فروع البناء والنشاط الصناعي.

نمو بسرعتين

في المقابل، ساهم تحسن الموسم الفلاحي في دعم النشاط الاقتصادي خلال السنة الجارية. فبفضل التساقطات المطرية المواتية وجهود تحديث تدبير الموارد المائية، يُتوقع أن يرتفع الناتج الداخلي الخام الفلاحي بنسبة 14 في المائة خلال 2026.

ويأتي هذا الأداء في وقت يُتوقع فيه ألا يتجاوز نمو الأنشطة غير الفلاحية 3.1 في المائة، وهو ما يعكس بوضوح طبيعة النمو المغربي خلال المرحلة الحالية، حيث تعمل الفلاحة كعامل استقرار ظرفي، في حين تواجه بعض الأنشطة الصناعية والعمرانية تحديات مرتبطة بالطلب والتكاليف والظروف الاقتصادية الخارجية.

وتبرز هذه المعطيات استمرار تأثير العوامل المناخية في الأداء الاقتصادي الوطني، رغم المسار الذي قطعه المغرب خلال السنوات الماضية في اتجاه تنويع قاعدة الإنتاج وتعزيز الصناعة والاستثمار في القطاعات الجديدة.

التحدي الأكبر.. من الاستثمار العمومي إلى المبادرة الخاصة

وتطرح المرحلة المقبلة سؤالاً أساسياً يتعلق بقدرة الاقتصاد الوطني على تحويل الزخم الذي أحدثته الاستثمارات العمومية الكبرى إلى دينامية اقتصادية أكثر اتساعاً واستدامة.

فالمشاريع المرتبطة بكأس العالم 2030 توفر دفعة قوية للبنيات التحتية والاستثمار، لكنها، وفق القراءة التي يقدمها تقرير البنك الدولي، لا تكفي وحدها لضمان استفادة مختلف مكونات النسيج الاقتصادي، خصوصاً المقاولات الصغيرة والمتوسطة.

ومن ثم، فإن التحدي لا يرتبط فقط بحجم الاستثمار، وإنما بمدى قدرته على رفع الإنتاجية وتحفيز الاستثمار الخاص وخلق فرص اقتصادية أكثر شمولاً. ويبدو أن المرحلة المقبلة ستتطلب الانتقال تدريجياً من منطق تراكم الاستثمارات إلى منطق تحقيق مردودية اقتصادية أعلى منها، عبر تعزيز الإنتاجية وتسريع التحول الهيكلي للاقتصاد.

وعلى المستوى النقدي والمالي، تظل المقاربة قائمة على قدر من الحذر، مع استمرار بنك المغرب في تتبع تطورات التضخم، في وقت تسعى فيه الحكومة إلى الموازنة بين تمويل الأوراش الكبرى والحفاظ على التحكم في عجز الميزانية.

وبذلك، فإن مؤشرات سنة 2026 لا تقدم صورة أحادية عن الاقتصاد المغربي، بل تكشف عن مرحلة إعادة توازن تتعايش فيها قوة الاستثمار العمومي وانتعاش القطاع الفلاحي مع بعض علامات التباطؤ في البناء والصناعة. وستكون قدرة المغرب على تحقيق تنسيق أفضل بين الأوراش العمومية ودينامية القطاع الخاص، وتحويل الاستثمار إلى إنتاجية ونمو مستدام، عاملاً حاسماً في تحديد ملامح الدورة الاقتصادية الممتدة إلى أفق 2030.

زر الذهاب إلى الأعلى