أخبار المغرب

المغرب يضع حداً لفوضى البناء.. ميثاق معماري جديد لحماية الهوية الجمالية للمجالات الترابية

الجريدة العربية

يتجه المغرب نحو إحداث تحول نوعي في مجال التعمير والبناء من خلال إطلاق جيل جديد من المواثيق المعمارية الهادفة إلى حماية الهوية البصرية للمناطق والمدن المغربية، ووضع حد لانتشار أنماط عمرانية دخيلة شوهت في السنوات الأخيرة الخصوصيات المعمارية والثقافية لعدد من جهات المملكة.

وبحسب المعطيات المتوفرة، تعمل وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة على إعداد منظومة تنظيمية جديدة تستند إلى قواعد دقيقة تراعي الخصوصيات الجغرافية والثقافية والبيئية لكل منطقة على حدة، في إطار مشروع وطني يروم إعادة الاعتبار للهوية العمرانية المغربية وتعزيز الانسجام بين المشاريع العقارية ومحيطها الطبيعي والاجتماعي.وسيتم اعتماد منصة رقمية متطورة تعتمد على نظم المعلومات الجغرافية، لتشكل مرجعاً موحداً للمستثمرين والمهندسين المعماريين والمصالح التقنية المختصة.

وستتضمن هذه المنصة معطيات تفصيلية حول المواد المحلية الواجب استخدامها، والألوان المناسبة لكل مجال ترابي، والنباتات الملائمة للبيئة المحلية، بما يضمن احترام الخصوصيات الجمالية والبيئية لكل جهة.

ويأتي هذا التوجه في سياق تنامي الانتقادات الموجهة إلى بعض المشاريع العقارية التي استنسخت نماذج معمارية أجنبية لا تنسجم مع الطابع المغربي، ما أدى في عدد من الحالات إلى تشويه المشهد العمراني وإضعاف الخصوصيات الثقافية التي تميز المدن والقرى المغربية.

وتسعى السلطات من خلال هذه الإصلاحات إلى القطع مع ظاهرة الاستيراد العشوائي للأنماط المعمارية وتعزيز حضور الموروث العمراني المحلي في المشاريع المستقبلية.

ووفق التصور الجديد، سيتم تقسيم التراب الوطني إلى مجالات عمرانية كبرى تخضع كل منها لمعايير خاصة. ففي المناطق الساحلية ستفرض معايير تأخذ بعين الاعتبار تأثير الرطوبة والملوحة والرياح البحرية، بينما ستراعي المشاريع المقامة بالمناطق الصحراوية والواحات تحديات الحرارة المرتفعة وترشيد الموارد المائية. أما المناطق الجبلية فستكون مطالبة باحترام الخصائص التضاريسية والظروف المناخية الخاصة بها.كما ستخضع المجالات القروية بدورها لقواعد أكثر صرامة تهدف إلى الحفاظ على التوازن القائم بين العمران والمجال الفلاحي، مع تشجيع اعتماد تقنيات البناء التقليدية التي أثبتت انسجامها مع البيئة المحلية عبر عقود طويلة. وفي المناطق ذات القيمة التاريخية والتراثية، سيتم فرض ضوابط إضافية تضمن حماية المعالم العمرانية والحفاظ على أصالتها.

ويعتبر عدد من المتخصصين في التعمير أن هذه الخطوة تمثل منعطفاً مهماً في مسار التخطيط الحضري بالمغرب، خصوصاً في ظل التوسع العمراني المتسارع الذي تشهده المملكة، وما يرافقه من تحديات مرتبطة بالحفاظ على الهوية المعمارية وضمان جودة الفضاءات الحضرية والقروية.

كما يتوقع أن تسهم هذه المواثيق الجديدة في تعزيز جاذبية المدن المغربية سياحياً واستثمارياً من خلال تقديم نموذج عمراني أكثر انسجاماً واحتراماً للخصوصيات المحلية.

ومن المرتقب أن تستغرق عملية إعداد الصيغة النهائية لهذه المواثيق نحو ثمانية عشر شهراً من الدراسات الميدانية والاستشارات التقنية بمختلف جهات المملكة، قبل أن تتحول إلى مرجع أساسي وملزم في دراسة ومنح رخص البناء. وعند دخولها حيز التنفيذ، ستشكل هذه الوثائق إطاراً وطنياً جديداً لتنظيم الاستثمار العقاري وضمان تنمية عمرانية تحافظ على روح المكان وتمنع تكرار المظاهر العمرانية التي أثارت جدلاً واسعاً خلال السنوات الماضية.

زر الذهاب إلى الأعلى