
وفاة عبد الرحيم فقير في بولونيا، التحقيق يدخل مرحلة حاسمة بين التشريح وكاميرات الشرطة وصراع الروايات
الجريدة العربية – تقرير خاص من مدينة بولونيا
لم تعد قضية وفاة المواطن المغربي عبد الرحيم فقير في مدينة بولونيا الإيطالية مجرد حادثة توقيف انتهت بشكل مأساوي، كما لم تعد محصورة في سؤال بسيط حول ما جرى خلال الدقائق الأخيرة من حياته. فمع توالي المعطيات الجديدة، تتجه القضية تدريجياً إلى التحول إلى ملف قضائي وطبي وسياسي وأمني بالغ التعقيد، تتقاطع داخله نتائج التشريح، وتسجيلات كاميرات الشرطة، وشهادات المسعفين، والخلافات حول سرعة التدخل الطبي، فضلاً عن الجدل السياسي المتصاعد بشأن حدود حماية عناصر الأمن ومسؤولياتهم أثناء عمليات التوقيف.
وفي الوقت الذي تحاول فيه النيابة العامة في بولونيا إعادة بناء التسلسل الزمني الكامل للأحداث، يبدو أن التحقيق لم يعد يركز فقط على اللحظات الخمس الأخيرة التي وثقتها بعض التسجيلات المتداولة، بل يتجه إلى تفكيك الدقائق والظروف التي سبقت عملية التوقيف، وصولاً إلى الساعات الأخيرة التي عاشها عبد الرحيم فقير قبل وفاته.
وتتوزع التطورات الجديدة على أربع جبهات رئيسية: جبهة الطب الشرعي، والجبهة القضائية، ثم الجبهة السياسية والأمنية، وأخيراً الوضع النفسي والإنساني للراحل قبل وقوع الحادث.
التشريح يفتح معركة الدقائق التسعين الأخيرة
دخل التحقيق الطبي مرحلة حاسمة صباح الجمعة، بعدما منحت النيابة العامة في بولونيا التكليف الرسمي بإجراء التشريح الطبي الشرعي لجثة عبد الرحيم فقير.
وبحسب المعطيات المتداولة، أسندت المهمة إلى الطبيبة الشرعية الإيطالية فالنتينا بوجيلي، في إطار فحص لا يقتصر على اللحظات الأخيرة التي ظهرت في مقاطع الفيديو المتداولة، بل يمتد إلى ما يقارب 90 دقيقة كاملة سبقت الوفاة.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة، لأن التحقيق يسعى إلى تحديد المسار الكامل الذي قاد إلى الوفاة، وليس فقط معرفة ما وقع أثناء تثبيت الراحل على الأرض. ومن المنتظر أن يشمل الفحص الطبي دراسة إصابة في معصم الضحية، إلى جانب البحث في احتمال تعرضه لنوبة اضطراب نفسي حاد، أو ما يعرف في بعض الأدبيات الطبية بمصطلح «الهذيان الهياجي» أو حالة الاضطراب الشديد، سواء كانت مرتبطة بالخوف والهلع أو بعوامل أخرى، من بينها احتمال استهلاك مواد معينة.
غير أن هذه الفرضيات لا تزال، وفق المعطيات المتاحة، جزءاً من مسار التحقيق الطبي، ولا يمكن اعتبارها خلاصات نهائية قبل صدور نتائج التشريح والفحوص المخبرية.
كما يتضمن الفحص دراسة عينات السموم والأنسجة، بمشاركة البروفيسور لوكا موريني، المتخصص في علم السموم بجامعة بافيا. ويتركز جزء من العمل على دراسة التأثير المحتمل لرذاذ الفلفل الحار على الجهاز التنفسي، ومدى إمكانية ارتباطه بحالة اختناق أو ضيق تنفس.
ويكتسب هذا الجانب أهمية إضافية بالنظر إلى المعطيات التي تشير إلى معاناة الراحل من مرض الربو، وهو ما يجعل المحققين مطالبين بتحديد ما إذا كانت حالته الصحية السابقة قد لعبت دوراً في تدهور وضعه، أو ما إذا كانت عوامل أخرى، منفردة أو مجتمعة، قد ساهمت في النهاية المأساوية.
ومن بين الفرضيات التي يتعين على الطب الشرعي حسمها أيضاً ما إذا كان الراحل قد تعرض لما يعرف بالاختناق الموضعي، أي صعوبة التنفس الناتجة عن وضعية جسدية معينة أثناء عملية التثبيت، ومدى ارتباط ذلك بوفاته.
وبحسب المعطيات المتداولة، قد تظهر النتائج الطبية الأولية خلال نهاية الأسبوع، غير أن الخلاصات النهائية ستحتاج على الأرجح إلى استكمال التحاليل المخبرية والفحوص المتخصصة.
كاميرات الشرطة تدخل قلب التحقيق
في موازاة العمل الطبي، بدأ المحققون تفريغ تسجيلات كاميرات الشرطة الجسدية، أو ما يعرف بـ”Bodycams”، وهي تسجيلات قد تشكل عنصراً حاسماً في إعادة بناء ما حدث لحظة بلحظة.
وتحظى هذه التسجيلات بأهمية خاصة، لأنها قد تقدم رواية رسمية لما جرى، في مقابل المقاطع التي التقطها مواطنون أو شهود من محيط المكان.
وتتحدث معطيات نقلتها وسائل إعلام إيطالية عن تسجيل كلمات لعناصر أمنية خلال اللحظات الأخيرة، من بينها عبارات تفيد بأن الراحل لم يعد يتنفس وأن عينيه ثابتتان، مع دعوات إلى أن يهدأ. وفي حال تأكدت هذه المعطيات رسمياً، فإنها ستطرح سؤالاً مركزياً حول الفاصل الزمني بين ملاحظة تدهور حالته الصحية وبين إنهاء عملية تثبيته والبدء في إجراءات الإنعاش.
غير أن هذا السؤال لا يمكن حسمه بالانطباعات أو بالتسريبات، بل يحتاج إلى تفريغ كامل للتسجيلات، ومقارنتها بسجلات الاتصالات، وشهادات عناصر الأمن، وتقارير الطاقم الطبي.
التحقيق لا يطال الشرطيين فقط
ومن التطورات اللافتة أن التحقيق لا يقتصر على عنصري الشرطة اللذين شاركا في عملية التوقيف، بل يشمل أيضاً أربعة مسعفين من الصليب الأحمر الإيطالي.
وتدور التحقيقات حول الطريقة التي جرى بها التعامل مع الحالة الطبية للراحل بعد فقدانه الوعي، ومدى احترام البروتوكولات الخاصة بالإنعاش القلبي والرئوي، وسرعة بدء التدخلات الطبية الضرورية.
وتحاول النيابة العامة، من خلال هذا المسار، تحديد ما إذا كانت الوفاة قد حدثت نتيجة عامل واحد، أم بسبب سلسلة من العوامل المتتابعة، تبدأ بالحالة الصحية والنفسية للراحل، مروراً بعملية التوقيف، وصولاً إلى طريقة التدخل الطبي بعد فقدانه الوعي.
وهنا تبرز أهمية الدقائق، بل الثواني، لأن التحقيقات في مثل هذه الحالات لا تبحث فقط في ما إذا تم تقديم المساعدة، وإنما تبحث أيضاً في توقيتها، وطبيعتها، ومدى ملاءمتها لحالة الشخص الموجود أمام فرق التدخل.
جدل سيارة الإسعاف الطبية يشعل مواجهة بين الدفاع وهيئة الصحة
في موازاة ذلك، ظهرت مواجهة جديدة بين دفاع عناصر الأمن وهيئة الصحة المحلية في بولونيا.
فمحامي عناصر الشرطة، غابرييل بوردوني، يقول إن عناصر الأمن طلبوا مرتين إرسال سيارة طبية متخصصة، غير أن الاستجابة لم تكن بالسرعة المطلوبة بسبب نقص المركبات المتاحة.
لكن هيئة الصحة في بولونيا نفت هذه الرواية، مؤكدة أن التسجيلات الصوتية المتوفرة لديها لا تظهر وجود تأخير مادي أو تقصير في احترام التوقيتات المعتمدة.
وهكذا تحولت مسألة وصول سيارة الإسعاف المتخصصة إلى نقطة جديدة في الصراع بين الروايات. فالدفاع يحاول التركيز على احتمال وجود تأخير طبي، بينما تؤكد هيئة الصحة أن المعطيات التقنية لا تثبت وجود إخلال بالإجراءات.
ومن المنتظر أن تكون التسجيلات الصوتية وسجلات الاتصالات عاملاً حاسماً في حسم هذه النقطة.
قضية فقير تضع القانون الأمني الجديد تحت المجهر
ولا تقف تداعيات الملف عند حدود التحقيق الجنائي والطبي، بل امتدت إلى النقاش السياسي والقانوني في إيطاليا.
وتأتي القضية في سياق تطبيق نظام قانوني جديد يعرف باسم “«”Modello 45-bis”، وهو الإطار الذي أُدخل ضمن التعديلات الأمنية التي اعتمدتها حكومة جورجيا ميلوني في فبراير 2026.
وبحسب المعطيات المتداولة، فإن هذا النظام يوفر إطاراً إجرائياً خاصاً في المراحل الأولى من التحقيقات التي تشمل عناصر الأمن والمسعفين، بما يسمح ببدء التحقيق دون تسجيلهم مباشرة بالطريقة التقليدية باعتبارهم متهمين جنائياً.
وقد أثار هذا الإجراء انتقادات واسعة من جانب محامي عائلة الراحل، فابيو أنسيلمو، ومن أطراف سياسية معارضة، اعتبروا أن النظام قد يتحول إلى آلية لحماية عناصر الأمن من المساءلة المبكرة.
ويطالب منتقدو هذا الإطار بفتح نقاش برلماني حول مدى توافقه مع مبدأ المساواة أمام القانون، خصوصاً في الحالات التي تنتهي فيها تدخلات أمنية بوفاة شخص.
في المقابل، اختارت رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني موقفاً أكثر حذراً، داعية إلى انتظار نتائج التحقيق وعدم إصدار أحكام مسبقة قبل اكتمال الوقائع.
وهذا الموقف يعكس حساسية الملف، خصوصاً أن أي تصريح سياسي متسرع قد يؤدي إلى تحويل القضية إلى مواجهة سياسية مفتوحة بين الحكومة والمعارضة.
نقابة الشرطة تدخل على خط القضية
وفي تطور آخر، أعلنت نقابة عمال الشرطة الموحدة في بولونيا” «”SIULP” توجهها إلى تنصيب نفسها طرفاً مدنياً في القضية. ولا تستهدف هذه الخطوة، بحسب ما يتم تداوله، الدفاع المباشر عن ظروف وفاة عبد الرحيم فقير، بقدر ما ترتبط بالأحداث التي أعقبت الاحتجاجات والوقفات التي شهدتها المدينة.
وتتحدث النقابة عن إصابة 56 عنصراً أمنياً خلال مواجهات عنيفة أعقبت بعض التحركات الاحتجاجية، مطالبة بمحاسبة المسؤولين عن هذه الأفعال والحصول على تعويضات مادية.
وهكذا بدأت القضية تأخذ منحى مزدوجاً؛ فمن جهة، تطالب عائلة الراحل ومحاموها بكشف الحقيقة كاملة وتحديد المسؤوليات عن الوفاة، ومن جهة أخرى، تحاول نقابة الشرطة فتح ملف الأضرار التي لحقت بعناصر الأمن خلال الاحتجاجات التي أعقبت الحادث.
والخوف القائم لدى العديد من المتابعين هو أن تتحول القضية إلى صراع بين ضحيتين وروايتين مختلفتين ، بما قد يشتت النقاش الأساسي حول ظروف الوفاة نفسها.
خلفية نفسية تفتح سؤالاً آخر
إلى جانب التحقيق الطبي والقضائي، بدأت تظهر معطيات تتعلق بالحالة النفسية لعبد الرحيم فقير خلال الأسابيع التي سبقت وفاته.
وبحسب ما نقلته محاميته باربارا سبينيلّي، التي كانت تتابع ملف إقامته، فإن الراحل كان يعيش حالة من القلق الشديد والاضطراب النفسي، وسط مخاوف مرتبطة بوضعه القانوني واحتمال تعرضه للترحيل.
وتقول المعطيات المتداولة إنه كان يردد قبل أيام من الحادث عبارات تعكس خوفه من الترحيل والنفي، وهو ما يفتح باباً جديداً أمام المحققين لفهم حالته النفسية قبل وقوع الحادث.
وإذا تأكدت هذه المعطيات، فإنها قد تساعد على تفسير ما حدث في مرأب السيارات قبل وصول الدورية، دون أن يعني ذلك بأي شكل من الأشكال أن الحالة النفسية للراحل يمكن أن تحسم وحدها أسباب الوفاة.
فالتحقيق مطالب، في النهاية، بتفكيك كل العناصر مجتمعة: الحالة الصحية، والوضع النفسي، وما وقع قبل وصول الشرطة، وطريقة التوقيف، والمدة التي قضاها الراحل على الأرض، واستخدام رذاذ الفلفل إن ثبت ذلك، ثم سرعة التدخل الطبي وطبيعته.
الحقيقة لن تكون في فيديو واحد
تتجه قضية عبد الرحيم فقير، مع مرور الأيام، إلى أن تصبح اختباراً حقيقياً لقدرة المؤسسات الإيطالية على تقديم إجابة كاملة وشفافة عن وفاة وقعت أثناء تدخل أمني.
فالفيديو المتداول قد يكشف جزءاً من الحقيقة، لكنه لا يكشف بالضرورة كل الحقيقة. وكاميرات الشرطة قد تقدم زاوية أخرى، لكن حتى التسجيلات الرسمية تحتاج إلى وضعها في سياقها الزمني الكامل. أما التشريح، فسيحدد العناصر الطبية، لكنه لن يكون قادراً وحده على الإجابة عن كل الأسئلة القانونية والسياسية.
ولهذا فإن الحقيقة الكاملة لن تخرج من وثيقة واحدة، ولا من شهادة طرف واحد، ولا من رواية سياسية جاهزة.
إنها تحتاج إلى جمع كل العناصر: التسجيلات، والتقارير الطبية، وشهادات الشهود، وبيانات الاتصالات، وتوقيتات تدخل فرق الإسعاف، ونتائج التشريح، فضلاً عن احترام حق عائلة الراحل في الوصول إلى الحقيقة.
وفي انتظار ذلك، تظل قضية عبد الرحيم فقير مفتوحة على كل الاحتمالات القانونية، لكن المؤكد أن الملف تجاوز منذ الآن حدود حادثة محلية في بولونيا.
فهو أصبح قضية تتقاطع فيها الهجرة، والصحة النفسية، والشرطة، والقانون، والاحتجاجات، والسياسة الأمنية، وحقوق الإنسان.
ووسط كل هذه الملفات المتشابكة، يبقى السؤال المركزي واحداً: كيف توفي عبد الرحيم فقير؟
والإجابة عن هذا السؤال لا يمكن أن تكون سياسية، ولا عاطفية، ولا مبنية على التسريبات. وحدها الأدلة، والتحقيق المستقل، والتشريح الكامل، والشفافية القضائية قادرة على تحديد المسؤوليات ووضع حد للتأويلات المتضاربة.