
المغرب بين أرقام النمو وواقع المعيشة: حين تصنع الإحصاءات سرداً اقتصادياً يُختبر في الشارع
الجريدة العربية
في عدد من الدول النامية، تحتل المؤشرات الاقتصادية الكلية موقعاً محورياً في الخطاب السياسي، حيث تُستعمل أرقام النمو، والتضخم، والبطالة، والاستثمار الأجنبي، وإحداث فرص الشغل، كوسائل لإبراز فعالية السياسات العمومية. غير أن هذا الاستخدام الواسع للأرقام كثيراً ما يُقابَل بتساؤل متزايد من طرف المواطنين، بسبب استمرار الفجوة بين المعطيات الرسمية والواقع الاجتماعي المعيش.
في المغرب، كما في دول أخرى، يعبّر جزء من الرأي العام عن تشكك متكرر في بعض المؤشرات الاقتصادية، بالنظر إلى استمرار الضغوط على القدرة الشرائية، وارتفاع البطالة في صفوف الشباب، واتساع الفوارق الاجتماعية والمجالية، رغم تسجيل نسب نمو إيجابية في فترات متعددة.
هذا الوضع يثير إشكالاً جوهرياً: كيف يمكن تفسير التباين بين الأداء الاقتصادي المعلن من خلال الأرقام، وبين الواقع الملموس الذي يعيشه المواطنون؟ ولماذا تبدو آليات المساءلة غير قادرة أحياناً على تصحيح أو مساءلة الخطاب الاقتصادي الرسمي عندما يبتعد عن الواقع الاجتماعي؟
المؤشرات الاقتصادية كأداة لصناعة الخطاب العام
لا تُعد الإحصاءات الاقتصادية مجرد معطيات تقنية محايدة، بل تشكل في كثير من الأحيان أداة لإنتاج خطاب سياسي حول الدولة وأدائها. ففي الدول النامية، تواجه الحكومات ضغطاً مزدوجاً: تلبية انتظارات الداخل الاجتماعي، وفي الوقت نفسه طمأنة المستثمرين والشركاء الدوليين.
في هذا السياق، تتحول المؤشرات الاقتصادية إلى أدوات للتواصل السياسي، تُستخدم لإبراز الاستقرار وجاذبية الاقتصاد الوطني. وقد أشار عدد من الباحثين في العلوم السياسية، من بينهم محمد توزّي، إلى أن مسألة الشرعية السياسية في فضاء المغرب الكبير ترتبط إلى حد كبير بقدرة الأنظمة على إنتاج سرد مقنع حول الأداء والاستقرار.
وبذلك، لا تقتصر وظيفة الأرقام على القياس التقني، بل تمتد لتشمل بناء رواية وطنية تعزز الثقة في المؤسسات. وغالباً ما لا يتعلق الأمر بتزييف المعطيات بقدر ما يتعلق بانتقاء مؤشرات معينة وإبرازها مقابل تقليص أهمية مؤشرات أخرى أقل إيجابية.
حدود المؤشرات الكلية أمام الواقع الاجتماعي
يرى الاقتصادي أمارتيا سن أن التنمية لا يمكن اختزالها في النمو الاقتصادي، بل يجب أن تُقاس بمدى توسع قدرات الأفراد على العيش الكريم، من خلال التعليم والصحة والشغل والمشاركة الاجتماعية.
من هذا المنظور، قد يحقق اقتصاد ما معدلات نمو مرتفعة، في الوقت الذي يعاني فيه من بطالة مرتفعة، واتساع الاقتصاد غير المهيكل، وتفاقم الفوارق الاجتماعية. كما أن معدلات تضخم “متحكم فيها” قد تخفي ارتفاعاً حاداً في أسعار المواد الأساسية التي تمس الحياة اليومية للأسر.
وفي السياق المغربي، شدد عدد من الباحثين الاقتصاديين، من بينهم دريس بن علي ونجيب أقصبي، على ضرورة تجاوز المقاربة التقليدية المعتمدة على النمو فقط، واعتماد مؤشرات أكثر شمولاً تعكس جودة التنمية وعدالتها الاجتماعية.
الحكامة ومحدودية آليات المساءلة
ترتكز الحكامة الحديثة على ثلاث ركائز أساسية: الشفافية، والمسؤولية، والتقييم. وتشير أعمال دوغلاس نورث إلى أن جودة المؤسسات تلعب دوراً حاسماً في تحديد مسارات التنمية.
غير أن ضعف آليات الرقابة والتقييم قد يجعل المساءلة ممارسة شكلية، لا تتيح مراجعة حقيقية للسياسات العمومية. ففي بعض الحالات، توجد مؤسسات رقابية، لكنها تفتقر إلى الاستقلالية أو الإمكانيات الكافية للقيام بدورها بشكل فعال.
في هذه الحالة، تتحول المساءلة من عملية تقييم موضوعي للنتائج إلى ممارسة تواصلية تهدف إلى تقديم صورة إيجابية عن الأداء العام.
دور النخب في تشكيل السرد الاقتصادي
توضح نظريات النخبة، كما طورها فيلفريدو باريتو وغايتانو موسكا ورايت ميلز، أن جزءاً محدوداً من الفاعلين السياسيين والاقتصاديين يمتلك قدرة كبيرة على تشكيل التصورات العامة حول الواقع.
في هذا الإطار، تتحول المؤشرات الاقتصادية إلى لغة تقنية للنخب، لكنها قد تبدو بعيدة عن التجربة اليومية للمواطنين. فبينما تعتمد النخب على الأرقام الإجمالية، يقيس المواطنون الواقع من خلال مؤشرات ملموسة مثل الشغل، والسكن، والصحة، والنقل، والقدرة الشرائية.
هذا التباعد يساهم في تعميق فجوة الثقة، ويغذي أحياناً خطاب التشكيك في صدقية المعطيات الرسمية.
نحو تعزيز التقييم المستقل
تدعو العديد من المقاربات الفكرية إلى تعزيز ثقافة التقييم المستقل للسياسات العمومية. ويؤكد المؤرخ المغربي عبد الله العروي أن تحديث الدولة يرتبط بقدرتها على عقلنة تدبير الشأن العام، من خلال إنتاج المعرفة وتقييمها بشكل علمي مستقل.
ويفترض ترسيخ المساءلة الحقيقية توسيع الولوج إلى البيانات العمومية، وتقوية مراكز البحث المستقلة، وتعزيز دور الإعلام والنقاش العمومي، بما يسمح بتعدد القراءات حول المعطيات الاقتصادية الرسمية.
إن الفجوة بين المؤشرات الاقتصادية الرسمية والواقع الاجتماعي في الدول النامية لا يمكن تفسيرها فقط بفرضية التلاعب بالأرقام، بل هي نتاج تفاعل معقد بين عوامل متعددة: محدودية أدوات القياس، اعتبارات سياسية في التواصل العمومي، ضعف آليات الرقابة، واتساع الفجوة بين النخب والمجتمع.
وتلتقي مختلف التحليلات النظرية، من بورديو إلى سن ونورث وتوزي والعروي، عند فكرة مركزية مفادها أن جودة الحكامة لا تتوقف عند إنتاج الأرقام، بل عند القدرة على إخضاعها للنقاش العمومي، والتحقق المستقل، وربطها المستمر بالواقع الاجتماعي.
وفي هذا الإطار، تظل المساءلة ركيزة أساسية لبناء الثقة بين الدولة والمجتمع، وضمان مصداقية ونجاعة السياسات العمومية.