أخبار المغرب

خطاب العرش: القطاع المالي.. الحلقة الحاسمة في تسريع التحول الاقتصادي

الجريدة العربية

قراءة في الخطاب الملكي السامي: الجزء الثالث والأخير

من بين الرسائل المهمة التي حملها الخطاب الملكي تلك المتعلقة بدور القطاع المالي الوطني في مواكبة المرحلة الجديدة من التنمية. فبعد أن تمكن المغرب خلال السنوات الماضية من بناء بنيات تحتية اقتصادية وصناعية مهمة، وإطلاق مشاريع استراتيجية كبرى، أصبح التحدي المطروح اليوم هو توفير آليات التمويل القادرة على مواكبة هذا التحول، وضمان وصول ثمار النمو إلى مختلف الفاعلين الاقتصاديين، وخاصة المقاولات الصغيرة والمتوسطة التي تشكل العمود الفقري لأي اقتصاد منتج.

لقد دعا الخطاب الملكي القطاع المالي إلى الانخراط بشكل أكبر في الدينامية التنموية، عبر تطوير آليات جديدة للتمويل، وتوسيع الولوج إلى مصادر التمويل البنكية وغير البنكية، وتشجيع الابتكار، ومواكبة المقاولات الناشئة والمشاريع الصناعية والتكنولوجية. وهذه الدعوة تعكس إدراكا بأن توفر الرؤية والاستثمارات لا يكفي وحده لتحقيق الإقلاع الاقتصادي، ما لم تكن هناك منظومة مالية مرنة وقادرة على تحمل المخاطر وتمويل المبادرات الخلاقة.

فاقتصاد المستقبل لا يبنى فقط عبر الاستثمارات الكبرى التي تقودها الدولة أو الشركات العالمية، وإنما يحتاج أيضا إلى آلاف المقاولات الوطنية القادرة على الابتكار والمنافسة والاندماج في سلاسل القيمة. ومن هنا تأتي أهمية إعادة النظر في دور القطاع المالي، ليس باعتباره مجرد وسيط لتدبير الأموال، وإنما باعتباره شريكا استراتيجيا في بناء النموذج الاقتصادي الجديد.

كما أن الدعوة إلى تعبئة الادخار الوطني، خصوصا المؤسساتي، وإنعاش الأسواق المالية، تحمل بعدا مهما يتعلق بضرورة استثمار الإمكانات المالية الداخلية في خدمة التنمية. فالدول التي نجحت في بناء اقتصادات قوية لم تعتمد فقط على التمويلات الخارجية، بل استطاعت خلق منظومات داخلية قادرة على توجيه الموارد نحو القطاعات المنتجة والمشاريع المستقبلية.

إن المرحلة القادمة تحتاج إلى قطاع مالي أكثر انفتاحا على المخاطرة الاستثمارية، وأكثر قربا من المقاول والمبتكر والشاب صاحب الفكرة، لأن التحول الاقتصادي الحقيقي لا تصنعه فقط المشاريع الكبرى، وإنما تصنعه أيضا المبادرات الصغيرة التي تجد البيئة المناسبة للنمو والتوسع.

المغرب.. شريك دولي موثوق وقوة اقتصادية صاعدة

على المستوى الخارجي، حمل الخطاب الملكي رسالة واضحة حول التحول الذي عرفه موقع المغرب في محيطه الإقليمي والدولي. فالمملكة، حسب مضامين الخطاب، لم تعد فقط بلدا يسعى إلى تعزيز علاقاته الخارجية، وإنما أصبحت فاعلا اقتصاديا وسياسيا يمتلك القدرة على تقديم نفسه كشريك موثوق، قادر على بناء شراكات جديدة قائمة على المصالح المتبادلة والرؤية المستقبلية.

إن التحول في موقع المغرب الدولي لم يأت من فراغ، بل هو نتيجة تراكمات مرتبطة بالاستقرار السياسي، والموقع الجغرافي الاستراتيجي، والانفتاح الاقتصادي، وتطوير البنيات التحتية، إضافة إلى السياسة الخارجية التي اعتمدت خلال السنوات الماضية على تنويع الشراكات وعدم الارتهان إلى محور واحد.

فالمغرب اليوم يوجد في قلب العديد من التحولات الكبرى التي يعرفها العالم، سواء تعلق الأمر بالأمن الطاقي، أو سلاسل الإنتاج، أو التعاون بين الشمال والجنوب، أو العلاقات الاقتصادية مع القارة الإفريقية. وهذا الموقع يمنح المملكة فرصا جديدة لتطوير دورها كحلقة وصل بين أوروبا وإفريقيا والعالم العربي.

كما أن تأكيد الخطاب على أن المغرب أصبح قادرا على “مساءلة شركائه” يعكس تغيرا في طبيعة العلاقات الدولية للمملكة. فالأمر لم يعد يتعلق فقط بطلب الدعم أو البحث عن الاعتراف، وإنما بالانتقال إلى منطق الشراكة الندية التي تقوم على تقديم عروض اقتصادية وسياسية واضحة، والدفاع عن المصالح الوطنية بثقة ومسؤولية.

وهذا التحول يعكس أيضا قوة النموذج المغربي القائم على الجمع بين الاستقرار والانفتاح، وبين الحفاظ على الخصوصية الوطنية والانخراط في الديناميات العالمية.

الانتخابات المقبلة.. بداية دورة تنموية جديدة

شكلت الإشارة الملكية إلى الانتخابات التشريعية المقبلة إحدى النقاط السياسية البارزة في الخطاب. فقد أكد جلالة الملك أن المرحلة المقبلة، بعد تشكيل حكومة جديدة، تستوجب إطلاق دورة جديدة في المسار التنموي الوطني، عنوانها الأساسي تحصين المكتسبات ومواصلة الإصلاحات الكبرى.

وتحمل هذه الرسالة دلالات متعددة، من بينها أن المغرب يدخل مرحلة جديدة تحتاج إلى نخب سياسية قادرة على مواكبة حجم التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي تعرفها البلاد. فالمشاريع الكبرى التي تم إطلاقها خلال السنوات الماضية تتطلب اليوم حكومة تمتلك القدرة على التنفيذ، وعلى تحويل الاختيارات الاستراتيجية إلى برامج عملية يشعر المواطن بنتائجها.

كما أن المرحلة المقبلة ستضع الفاعل السياسي أمام اختبار حقيقي يتعلق بمدى قدرته على تجديد العلاقة مع المواطن، والانتقال من تدبير الملفات اليومية فقط إلى المساهمة في بناء رؤية تنموية طويلة المدى.

فالمغرب الذي يطمح إلى تعزيز مكانته كقوة إقليمية يحتاج إلى مؤسسات منتخبة قوية وفعالة، وإلى حكومة قادرة على التنسيق بين مختلف القطاعات، وتحقيق الانسجام بين الطموحات الاقتصادية والانتظارات الاجتماعية.

إن رسالة الخطاب واضحة: المكتسبات التي تحققت ليست نهاية المسار، بل قاعدة للانطلاق نحو مرحلة جديدة تحتاج إلى مزيد من الجهد والنجاعة والابتكار.

القوات المسلحة والأجهزة الأمنية.. صمام الأمن والاستقرار

وفي الجانب المتعلق بالأمن والدفاع، جدد الخطاب الملكي التعبير عن الاعتزاز بالدور الذي تضطلع به القوات المسلحة الملكية، والدرك الملكي، والأمن الوطني، والقوات المساعدة، والوقاية المدنية، والإدارة الترابية، في حماية الوطن وضمان أمنه واستقراره.

وتكتسي هذه الإشارة أهمية خاصة، لأن الأمن في عالم اليوم أصبح أحد المحددات الأساسية لقوة الدول وقدرتها على تحقيق التنمية. فكل مشروع اقتصادي أو اجتماعي يحتاج إلى بيئة آمنة ومستقرة تسمح له بالنمو والاستمرار.

وقد أظهر المغرب خلال السنوات الماضية قدرة كبيرة على مواجهة مختلف التحديات الأمنية والطبيعية، من خلال اعتماد مقاربة تقوم على الاستباق والجاهزية والتنسيق بين مختلف المؤسسات.

كما أن استحضار أرواح شهداء المغرب الأبرار في ختام الخطاب يحمل بعدا رمزيا قويا، باعتبار أن بناء الدولة وحماية وحدتها واستقرارها هو مسار طويل قدم خلاله رجال ونساء الوطن تضحيات كبيرة.

خطاب يؤسس لمرحلة “المغرب الصاعد”

إن القراءة الشاملة للخطاب الملكي بمناسبة عيد العرش تكشف أنه يتجاوز منطق الحصيلة السنوية أو الاستعراض الظرفي للمنجزات، ليقدم رؤية استراتيجية لمغرب يدخل مرحلة جديدة من تاريخه.

فالمغرب، وفق هذه الرؤية، لم يعد فقط في مرحلة بناء الأساسيات، بل أصبح أمام تحدي الانتقال إلى مستوى أعلى من الفعل الاقتصادي والسياسي؛ أي الانتقال من بناء المشاريع إلى صناعة القوة، ومن تحقيق النمو إلى ضمان أثره الاجتماعي، ومن جذب الاستثمارات إلى إنتاج التكنولوجيا والمعرفة.

لقد رسم الخطاب معالم مغرب يقوم على خمسة مرتكزات كبرى: الاستقرار المؤسساتي باعتباره قاعدة التنمية، والتحول الصناعي باعتباره محرك الاقتصاد، والسيادة الوطنية باعتبارها شرط الاستقلالية، والعدالة الاجتماعية باعتبارها غاية التنمية، والانفتاح الدولي باعتباره وسيلة لتعزيز المكانة المغربية.

وفي المحصلة، فإن الرسالة العميقة للخطاب الملكي هي أن المغرب يمتلك اليوم مقومات مرحلة جديدة، لكنه في الوقت نفسه مطالب بمواصلة العمل بنفس الجدية والإرادة، لأن بناء الدول لا يكتمل بالإنجازات فقط، وإنما بالقدرة الدائمة على التجدد ومواجهة التحديات.

إن معركة المرحلة المقبلة لن تكون فقط معركة تحقيق معدلات نمو مرتفعة أو استقطاب استثمارات جديدة، بل ستكون معركة تحويل هذه الدينامية إلى واقع ملموس في حياة المواطن، وجعل قوة الاقتصاد والمؤسسات تتحول إلى مزيد من الرفاه والعدالة والفرص.

وهنا تكمن الرسالة الكبرى لخطاب العرش، في كون المملكة المغربية الشريفة انتقلت من مرحلة تثبيت الدولة الحديثة إلى مرحلة بناء الدولة الصاعدة، والدور المقبل هو تحويل هذا الصعود إلى قوة وطنية شاملة يستفيد منها الجميع.

الجزء الأول من القراءة التحليلية للخطاب الملكي السامي
الجزء الثاني من القراءة التحليلية للخطاب الملكي السامي

زر الذهاب إلى الأعلى