سياسة

إسبانيا والجزائر تطويان صفحة القطيعة.. لكن الصحراء المغربية تظل “الخط الأحمر” لمدريد

الجريدة العربية – مدريد

تتجه العلاقات الإسبانية الجزائرية نحو إعادة فتح صفحة جديدة، بعد أربع سنوات من التوتر الدبلوماسي، في مسعى لإعادة إطلاق التعاون السياسي والاقتصادي والأمني بين البلدين، غير أن هذا التقارب لا يبدو، حتى الآن، مرشحاً للتأثير على التحول الاستراتيجي الذي أقدمت عليه مدريد بشأن قضية الصحراء المغربية.

وأعلن رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز والرئيس الجزائري عبد المجيد تبون الاتفاق على عقد اجتماع رفيع المستوى بين حكومتي البلدين في أكتوبر المقبل بإسبانيا، في خطوة ستكون الأولى من نوعها منذ سنة 2018، وتعكس رغبة مشتركة في تجاوز مرحلة التوتر وإعادة العلاقات الثنائية إلى مسارها الطبيعي.

أزمة بدأت من الرباط

وكانت العلاقات بين مدريد والجزائر قد دخلت مرحلة أزمة حادة سنة 2022، بعدما أعلنت إسبانيا دعمها للمقترح المغربي القاضي بمنح الصحراء حكماً ذاتياً تحت السيادة المغربية، معتبرة إياه «الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية» لتسوية النزاع.

وأثار الموقف الإسباني غضب الجزائر، التي قررت تعليق معاهدة الصداقة وحسن الجوار والتعاون مع إسبانيا، كما فرضت قيوداً واسعة على المبادلات التجارية بين البلدين.

ومنذ ذلك الحين، ظل ملف الصحراء المغربية في قلب التوتر بين الجزائر ومدريد، خصوصاً في ظل اعتبار الجزائر أن الموقف الإسباني الجديد يمثل تحولاً جوهرياً في سياسة مدريد تجاه قضية إقليمية تعتبرها من الملفات المركزية في سياستها الخارجية.

تبون يثير ملف الصحراء.. ومدريد لا تتراجع

وخلال اللقاء الأخير بين المسؤولين الجزائري والإسباني، أكد عبد المجيد تبون أنه ناقش قضية الصحراء مع نظيره الإسباني.

غير أن رئيس الحكومة الإسبانية لم يعلن، في المقابل، عن أي تغيير في موقف بلاده، كما لم يصدر أي مؤشر رسمي يفيد تراجع مدريد عن دعمها للمبادرة المغربية للحكم الذاتي.

وتبدو إسبانيا، وفق هذه المعطيات، بصدد اعتماد مقاربة مزدوجة تقوم على تطبيع علاقاتها مع الجزائر، دون المساس في الوقت ذاته بالشراكة الاستراتيجية التي أعادت بناءها مع المغرب.

مدريد توازن بين الجزائر والرباط

وتحاول الحكومة الإسبانية، من خلال هذا التقارب، إعادة العلاقات مع الجزائر إلى مسارها الطبيعي، خاصة في ظل أهمية التعاون بين البلدين في مجال الطاقة، دون التضحية بالعلاقات الاستراتيجية مع المغرب، الذي أصبح شريكاً محورياً لإسبانيا في ملفات الهجرة والأمن والتعاون الاقتصادي.

وتفرض الجغرافيا والمصالح المشتركة نفسها بقوة على الحسابات الإسبانية، إذ يمثل المغرب شريكاً أساسياً في تدبير ملف الهجرة غير النظامية، ومحاربة شبكات الاتجار بالبشر، وتعزيز التعاون الأمني، فضلاً عن العلاقات الاقتصادية والتجارية المتنامية.

وفي المقابل، تظل الجزائر مورداً رئيسياً للغاز الطبيعي بالنسبة إلى إسبانيا، وهو ما يمنح العلاقات بين مدريد والجزائر بعداً استراتيجياً خاصاً، خاصة في ظل التحولات التي تعرفها أسواق الطاقة الدولية.

الغاز في قلب التقارب الجديد

وبحسب تقارير إعلامية إسبانية، فقد توصلت الجزائر وإسبانيا إلى اتفاق سياسي يهدف إلى رفع إمدادات الغاز الجزائري نحو السوق الإسبانية، على أن يتم التفاوض بشأن التفاصيل التقنية والتجارية بين الشركات المعنية.

وتشير هذه الخطوة إلى أن المصالح الاقتصادية والطاقة تشكل أحد المحركات الرئيسية لإعادة إطلاق العلاقات الثنائية، خصوصاً أن الجزائر ما تزال المورد الأول للغاز الطبيعي إلى إسبانيا خلال سنة 2026.

كما يسعى الطرفان إلى تعزيز التعاون في مجالات محاربة الهجرة غير النظامية والإرهاب، فضلاً عن البنيات التحتية والصناعة والأمن الغذائي والتكنولوجيا.

الصحراء.. الاختبار الحقيقي

ورغم الإعلان عن عودة الدفء إلى العلاقات الإسبانية الجزائرية، فإن قضية الصحراء المغربية ستظل الاختبار الحقيقي لمدى قدرة الطرفين على بناء علاقة مستقرة ومستدامة.

فالجزائر ترغب في استعادة علاقاتها مع مدريد، لكنها تسعى في الوقت ذاته إلى الدفع نحو إعادة النظر في الموقف الإسباني من النزاع، بينما ترى مدريد أن علاقتها بالمغرب تجاوزت مرحلة الظرفية السياسية لتتحول إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد.

وبذلك، يبدو أن إسبانيا اختارت السير على حبل دبلوماسي دقيق: إعادة تطبيع العلاقات مع الجزائر، والحفاظ على مصالحها في مجال الطاقة، مع الإبقاء على شراكتها الاستراتيجية مع المغرب وموقفها المعلن من قضية الصحراء.

وفي انتظار ما ستكشف عنه القمة الحكومية المرتقبة في أكتوبر، تبقى الرسالة الأهم واضحة، وهي أن مدريد سوف تعيد فتح قنوات الحوار مع الجزائر، لكن الصحراء المغربية تظل بالنسبة إلى إسبانيا خطاً استراتيجياً يصعب التراجع عنه.

زر الذهاب إلى الأعلى