مقتل عبد الرحيم فقير ببولونيا: حينما تصبح الدبلوماسية أمام اختبار “الكرامة المغربية”.. نداء إلى السفارة والقنصلية لرفع سقف التدخل ومواجهة “الدرع القانوني”
الجريدة العربية*
لم تعد حادثة مقتل المهاجر المغربي عبد الرحيم فقير (43 عاماً) في حي “بيلاسترو” بمدينة بولونيا مجرد واقعة مأساوية عابرة تنتهي ببيان تعزية، بل تحولت إلى قضية رأي عام دولي تضع القضاء الإيطالي، ومعه الدبلوماسية المغربية، أمام مرآة الحقيقة والمسؤولية التاريخية. إن المشاهد الصادمة المتداولة للضحية وهو مثبت على الأرض، يستغيث تحت أقدام عناصر الأمن ومقيد اليدين والقدمين، لا تمس فقط عائلة فقير، بل تطعن في كرامة الجالية المغربية بأكملها في إيطاليا. ومن هنا، لم يعد مقبولاً من التمثيلية الدبلوماسية للمملكة—سفارةً وقنصلية—الاكتفاء بدور “المُشاهد الدبلوماسي الحذر” أو “المُنسق الإداري” لشحن الجثامين؛ إن المرحلة تتطلب تحولاً جذرياً في التعاطي، والانتقال من “موقف الدفاع والانتظار” إلى “موقع الهجوم القانوني والسياسي”.
إن عمق الفاجعة يفرض علينا مكاشفة صريحة تفكك البنية التمييزية التي تُعامل بها بعض الأجهزة الأمنية المهاجرين؛ فالمشهد الدراماتيكي الذي وثقته عدسات الجيران ليس مجرد “خطأ في التقدير”، بل هو تجسيد حي لـ “العنف البنيوي المرتبط بالمهن الأمنية” المسكوت عنه. فعندما يصرخ إنسان بملء ما فيه ليطلب النجدة، وهو تحت وطأة الاختناق، وتستمر الأيدي في الضغط على أنفاسه، فإننا لسنا أمام إجراء أمني لحفظ النظام، بل نحن أمام شبهة إعدام ميداني مع وقف التنفيذ. هذا الوضع يفرض بالضرورة على الوجدان الدبلوماسي المغربي أن يستيقظ من سباته البروتوكولي، وألا يترك الساحة القانونية فارغة لمن يريد طمس الحقيقة.
دور السفارة والقنصلية: ما وراء التدابير البروتوكولية
نثمن الخطوة الأولى للسفير المغربي في روما، السيد يوسف بلا، بتوجيه قنصلية المملكة المغربية بمدينة بولونيا لمتابعة الملف وتكفلها بمصاريف نقل الجثمان، لكن الوجع المغربي في إيطاليا أكبر من مجرد “تابوت طبي مجاني”. إن الدور الحقيقي والمطلوب اليوم من السفارة في روما والقنصلية العامة في بولونيا يجب أن يتجاوز البروتوكولات التقليدية المعتادة، ليمتد إلى ثلاثة محاور أساسية:
أولاً: الحماية القانونية الشرسة والضغط القضائي
فلا يجب ترك عائلة الضحية والمحامي الإيطالي “فابيو أنسيلمو” وحدهم في مواجهة ماكينة النقابات الأمنية الإيطالية التي تحاول جاهدة تبرير الواقعة وسوق سوابق قديمة للضحية لتشويه سمعته وتبرير العنف. وعلى القنصلية أن تنصب نفسها كطرف مدني غير مباشر، وأن تسخر طاقمها القانوني ومستشاريها لمراقبة تفاصيل التحقيق مع الأشخاص الستة المشتبه بهم (الشرطيين والمسعفين). لإن مجابهة اللوبي الأمني في إيطاليا تتطلب نفساً طويلاً وموارد ضخمة، ولا يمكن لعائلة مكلومة أن تخوض هذه الحرب بمفردها دون ظهير سياسي ودبلوماسي يحمي ظهرها في ردهات المحاكم.
ثانياً: التصدي لـ “الدرع القانوني الإيطالي” وطمس الحقائق
إن إدراج المتهمين تحت بند “Modello 45 bis” (التحقيق دون اتهام مباشر) يثير مخاوف حقيقية من التمييع والمماطلة. وهنا يأتي دور الدبلوماسية المغربية في روما لمطالبة وزارة العدل الإيطالية بضمانات عليا لشفافية التحقيق، ودعم مقترح المحامي أنسيلمو بنقل التحقيق إلى جهاز أمني مستقل ومحايد (كالكارابينييري) لضمان عدم طمس معالم الجريمة أو التلاعب بتسجيلات الكاميرات الجسدية (Bodycams). وأن بقاء التحقيق تحت يد “الشرطة” نفسها التي ينتمي إليها الجناة هو ضرب من العبث القضائي، والضغط المغربي هنا يمثل صمام الأمان لمنع إقبار القضية تحت ذريعة “الحصانة المهنية”.
ثالثاً: الدعم الإعلامي ومواجهة البروباغندا اليمينية الشرسة
تشهد الساحة السياسية الإيطالية هجوماً حاداً من أقطاب اليمين الحاكم (مثل ماتيو سالفيني) الذين يحاولون شيطنة الضحية والمظاهرات. ويجب على الملحق الثقافي والإعلامي بالسفارة المغربية الخروج ببيانات قوية وصريحة لتنوير الرأي العام الإيطالي، والتأكيد على أن الماضي القديم لأي مواطن ليس ترخيصاً لقتله خنقاً في الشارع العام.
إن غياب السردية المغربية الرسمية في الإعلام الإيطالي يترك المجال مفتوحاً لآلة البروباغندا اليمينية لتكريس صورة المهاجر “المنحرف” المستحق للعنف والسحق تحت طائلة البدلة الأمنية، وهو تزييف للواقع يجب مواجهته بصلابة ومسؤولية إعلامية موازية.
تشريح الجثة وفخ المماطلة الطبية
إن الإعلان الوشيك عن نتائج التشريح الأولي قد يحمل في طياته خطورة بالغة؛ إذ تحاول نقابات الأمن سلفاً الترويج لنظرية “السكتة القلبية الطبيعية” الناتجة عن الهياج النفسي وفصلها عن الضغط الميكانيكي على الصدر. ولهذا فإن الدبلوماسية المغربية مطالبة بمواكبة الفحص الطبي الدقيق عبر خبراء دوليين، للتأكيد على أن “الربو” وضيق التنفس لدى الضحية تحولا إلى أداة قتل قاتلة عند رش الغاز الحار وتقييد أنفاسه على الأرض. كما إن التقاعس في التدقيق الطبي معناه السماح بتبرئة القتلة طبياً وقانونياً قبل بدء المحاكمة الفعلية.
الكرامة المغربية خط أحمر
إننا من منبر الجريدة العربية، نوجه نداءً حاراً وصارماً إلى سفارة المملكة المغربية بروما والقنصلية العامة ببولونيا، بأن الجالية المغربية في إيطاليا تعد من الأكبر والأكثر اندماجاً ومساهمة في الاقتصاد الإيطالي، ولا يمكن السماح بأن يُعامل أفرادها كمواطنين من الدرجة الثانية، أو أن يمر مقتل عبد الرحيم فقير دون محاسبة حقيقية لكل من تلطخت يداه بدمائه أو قصر في إسعافه.
كما يجب أن تدرك السلطات الإيطالية أن وراء هذا المواطن دولة تحمي أبناءها في المغترب، وأن العلاقات الثنائية الممتازة بين الرباط وروما تُبنى على الاحترام المتبادل وصيانة الأرواح والكرامة، لا على حساب دماء العمال المهاجرين. وأن المواطن المغربي عبد الرحيم فقير الذي أسس شركته الخاصة منذ 2012 ودفع ضرائبه كأي مواطن صالح يسكن بلاد الغربة، كان يستحق الحماية لا الخنق، وعائلته تستحق الإنصاف لا التشويه.
وطرحنا بإن معركة إثبات “الاختناق الميكانيكي” في تشريح الجثة هي معركة قانونية للدبلوماسية المغربية قبل أن تكون معركة عائلة فقير. وسنظل في الجريدة العربية نتابع ونرصد كل خطوة، ولن نرضى بأقل من الحقيقة الكاملة والعدالة الناجزة، فدماء المغاربة ليست رخيصة، وصوت الحق لا يخشى لومة لائم. لإن الكرامة لا تتجزأ، والدبلوماسية الحقيقية تظهر في أوقات الأزمات الكبرى، وعبد الرحيم فقير هو اختبار الكرامة الأكبر لسيادتنا الدبلوماسية في القارة العجوز.