أخبار الجالية

مأساة بولونيا.. الشرطة الإيطالية تحت المجهر بعد العنف المفرط الذي أودى بحياة المغربي عبد الرحيم فقير

الجريدة العربية – عبد الله مشنون*

في قلب مدينة بولونيا الإيطالية وتحديداً في حي بيلاسترو لم تكن اللحظات الأخيرة في حياة المهاجر المغربي عبد الرحيم فقير مجرد حادثة عابرة أو تفصيل هامشي في سجلات الحوادث اليومية. بل كانت مشهداً مروعاً ينبض بالقسوة ويجسد مأساة إنسانية هزت الضمير الحي في وجدان كل من شاهد تلك الصور المؤلمة. رجل أربعيني ملقى على الإسفلت ورأسه مضغوط بقوة على الأرض ومكبل اليدين خلف ظهره بواسطة عنصرين من الشرطة وبمساعدة شخص مدني مجهول الهوية والسند القانوني. بينما كان صوته يتلاشى تدريجياً وهو يتوسل ويطلب الغوث بكل ما بقي فيه من رمق ويصرخ ألماً دون أن يجد أذناً صاغية.

إن هذه المشاهد الأليمة التي وثقت بالصوت والصورة وأمام أعين طاقم الإسعاف الحاضر في عين المكان تضع الجميع أمام أسئلة حارقة ومشروعة لا يمكن القفز عليها أو تجاهلها بأي حال من الأحوال. كيف يمكن لتثبيت شخص مكبل اليدين ومستسلم بالكامل على الأرض بهذه القسوة المفرطة أن يصنف كإجراء أمني قانوني يخضع لضوابط السيطرة. وأين هي قواعد التناسب والضرورة في استخدام القوة ضد إنسان أعزل لا يشكل تهديداً خطيراً وهو قيد الاحتجاز. وما هي الصفة القانونية والشرعية لذلك الشخص الغريب الذي شارك عناصر الأمن في تثبيت الضحية والدوس عليه ومن سمح له بالتدخل في عملية أمنية رسمية. والأدهى من ذلك كله كيف للأطقم الطبية وحضور رجال الإسعاف أن يقفوا موقف التفرج والحياد المريب دون التدخل الفوري لفحص العلامات الحيوية لرجل يتلوى ألمًا وينقطع نفسه خطوة بخطوة حتى فارق الحياة بين أيديهم وفي عقر مراقبتهم.

إن المحاولات الواهية للتعاطي مع الحادثة عبر تبريرات جاهزة تتحدث عن حالة هياج أو اضطراب لا يمكن أن تصمد أمام حجم الفاجعة. فمهما كانت الذرائع أو السلوكيات المفترضة فإن ذلك لا يبرر بأي حال من الأحوال تجريد الإنسان من حقه الأولي والأساسي والمقدس في الحياة والسلامة الجسدية. إن المبادئ والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان وقوانين الدول الديمقراطية التي تتغنى بسيادة القانون تجرم بشكل قاطع وصارم العنف المفرط والمعاملة القاسية أو اللإنسانية أثناء عمليات الاحتجاز والتوقيف.

وإذ نؤكد على إيماننا الراسخ بكون إيطاليا دولة ديمقراطية تحترم سيادة القانون وتدافع عن حقوق الإنسان في مختلف المحافل الدولية. فإننا نجدد ثقتنا الكبيرة في نزاهة النيابة العامة والقضاء الإيطالي المستقل لحماية حقوق الجميع. وتجسيد المبدأ الأسمى المرفوع على جدران المحاكم الإيطالية بأن القانون ينطبق على الجميع بصفة مساوية دون تمييز (La legge è uguale per tutti).

ومن هذا المنطلق الدستوري والإنساني نأمل أن تشكل التحقيقات الجارية تحركاً عادلاً وأنصيفاً يكشف كافة الملابسات ويحدد المسؤوليات بوضوح ليُطبق القانون بدقة بحق كل من ثبت تقاعسه أو تسببه في هذه الوفاة المأساوية. إن هذه المأساة لا تخص عائلة فقير المكلومة وحدها ولا تقف عند حدود الحزن الفردي بل تخص كل مؤمن بقيم العدالة وسيادة القانون وحرية الإنسان.

ومن هذا المنطلق نتوجه بطلب عاجل وصارم إلى السلطات القضائية الإيطالية لإجراء تحقيق شفاف وعاجل ومستقل يشمل تفريغ تسجيلات كاميرات الجسد ومحاسبة كل من ثبت تورطه المباشر أو تقاعسه الجسيم عن إنقاذ الضحية. كما ندعو المنظمات الحقوقية والمدنية إيطالياً ودولياً إلى الوقوف بجانب العائلة ومتابعة أطوار هذه القضية لضمان عدم إفلات أي مسؤول عن هذه الجريمة من العقاب. ونناشد الدبلوماسية المغربية ممثلة بالسفارة المغربية في روما والقنصلية العامة بمدينة بولونيا للتدخل العاجل والمكثف ومتابعة التحقيقات عن قرب وتقديم الدعم القانوني والمعنوي والمؤسساتي اللازم لأسرته لضمان كشف الحقيقة كاملة غير منقوصة. إن العدالة لعبد الرحيم فقير ليست مجرد مطلب لعائله وأطفاله بل هي اختبار حقيقي ومحك فعلي لسيادة القانون وحماية حقوق الإنسان للجميع دون تمييز أو مفاضلة.


*كاتب صحفي مقيم في ايطاليا ومتابع للشأن السياسي
مهتم بالشؤون العربية، قضايا الهجرة، والبحث في الفكر والإسلام.
زر الذهاب إلى الأعلى