مجتمع

انهيار بنايتي فاس… مأساة جديدة تطرح أسئلة قديمة حول المراقبة والفساد ومسؤولية حماية الأرواح

الجريدة العربية – عبد الله مشنون

 

لم تكن ليلة الثلاثاء–الأربعاء مجرد لحظة مفجعة في تاريخ حي المسيرة بمدينة فاس، بل محطة مؤلمة كشفت مرة أخرى هشاشة البنية السكنية، وضعف آليات المراقبة، وعمق الخلل الذي يهدد حياة المواطنين البسطاء في عدد من المدن المغربية. انهيار بنايتين من أربعة طوابق، واحدة منهما كانت تحتضن حفل عقيقة، أسفر عن حصيلة ثقيلة بلغت – إلى حدود الآن – 22 وفاة و16 مصابًا، بينهم أطفال ونساء، حسب ما أكده وكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية بفاس في بلاغ رسمي.

وحسب البلاغ ذاته، فقد كانت البناية الأولى خالية من السكان، بينما احتضنت الثانية تجمعًا عائليًا انتهى بكارثة إنسانية. وعلى إثر الحادث، تم فتح بحث قضائي تحت إشراف النيابة العامة قصد تحديد الأسباب الحقيقية لهذا الانهيار، والكشف عن جميع الملابسات والمسؤوليات المحتملة، سواء في مسار بناء البنايتين أو في مراقبتهما أو في الترخيص لهما.

منذ اللحظات الأولى، هرعت السلطات المحلية والأمنية وعناصر الوقاية المدنية إلى عين المكان لمباشرة عمليات الإنقاذ، وتأمين محيط البنايتين وإجلاء السكان المجاورين تحسبًا لأي انهيارات إضافية. ومع ذلك، فقد خلّفت هذه اللحظات صدمة عميقة لدى سكان الحي، الذين خرجوا مذعورين إلى الشوارع، يخشون أن تتكرر المأساة في عمارات أخرى تبدو في وضع مثير للقلق.

أسئلة محرجة: أين كانت المراقبة؟ ومن يتحمّل مسؤولية منح التراخيص؟

ورغم أن التحقيق ما زال جاريًا، إلا أن حادثًا بهذا الحجم يعيد طرح الأسئلة التي يتجنبها الجميع:

أين هي الجهات المسؤولة عن المراقبة؟ وكيف مُنحت رخص البناء دون تتبع كافٍ؟ ومن يتحمّل مسؤولية السماح لعمارات هشة بأن تقف فوق رؤوس ساكنيها؟

هذه الأسئلة لم تعد تقنية فقط، بل سياسية وأخلاقية أيضًا. فكل انهيار هو في النهاية قصة فشل جماعي في حماية أرواح المواطنين.

ولا يمكن فصل هذه المأساة عن الخلفية الثقيلة التي تراكمت على مدى عقود:

وجود مرشحين ومسؤولين فاسدين، سلطات متواطئة، إدارات مرتشية، ولوبيات عقارية بنت ثرواتها على حساب الأحياء الفقيرة والمهمشين. هذه المنظومة – بتركيبتها المتشابكة – حولت الحق في السكن الآمن إلى سلعة رخيصة، وجعلت الغش في مواد البناء والمراقبة أمرًا “عادياً” ويدخل ضمن المعيش اليومي للعديد من الأسر المغربية.

إنها منظومة جعلت آلاف المباني مهددة، ليس عمارتين فقط. هناك أحياء كاملة قد تكون فوق أرضية هشة أو فوق تاريخ طويل من الفساد. بل إن بعض الأسر تعيش فعلاً كما قال أحد سكان فاس:

“ننام ونحن نضع كفننا تحت الوسادة.”

الخبراء يحذرون منذ سنوات من أنّ البنايات غير المهيكلة، والعمارات التي شُيّدت خارج القواعد، تشكل قنابل موقوتة. ما حدث بفاس لم يكن حادثًا معزولًا، بل نتيجة تراكمات ظلت مؤجلة إلى أن تحوّلت إلى كارثة.

 

الأمر الذي يستدعي تسريع:

  • إجراء مسح شامل للبنايات المهددة بالانهيار
  • فتح تحقيقات نزيهة في مسارات الترخيص والبناء
  • محاسبة المسؤولين عن التقصير
  • تفعيل مراقبة جادة وحقيقية بدل الاكتفاء بالوثائق الورقية

الخلاصة: دماء الضحايا يجب أن توقظ الضمير قبل القوانين

في النهاية، لا يمكن أن تمر هذه المأساة كما مرّت سابقاتها. فكل ضحية سقطت تحت الأنقاض هي تذكير صادم بأن حياة المواطن البسيط في خطر طالما يستمر التهاون والمحاباة والفساد. المغرب في حاجة إلى لحظة يقظة حقيقية تُعيد الاعتبار للقانون، وتضع حياة الناس فوق أي مصلحة أو ريع أو صفقة.

قد تُفتح التحقيقات ويُكتب العديد من التقارير، لكن الأهم هو ألا تتكرر الجريمة… لأن الإهمال حين يقتل، يصبح القاتل الحقيقي هو من ترك البنايات تنهار وهو يعلم.

اللهم ارحم الاموات الذين قضوا نحبهم في تلك الليلة واشفي المصابين يارب العالمين.

زر الذهاب إلى الأعلى