مجتمع

قراءة في تعليق : بين فوضى المنصات وحكمة القانون، لماذا كان الأستاذ “حسن فاتح” محقًّا؟

الجريدة العربية – ذ. بوحافة العرابي *

 

قدّم الإعلامي الرياضي المغربي الأستاذ “حسن فاتح”، في تدوينة متزنة نُشرت مساء يوم أمس الأحد، بعد انتشار خبر تنازل رجل الأعمال المهدي القباج عن شكايته ضد طليقته سكينة بنجلون، مقاربة مختلفة عن موجات التفاعل السريعة التي عادة ما تُغرق مواقع التواصل. فقد اختار فاتح الابتعاد عن منطق الانتصار لأحد الطرفين، وفضّل مقاربة هادئة تستند إلى أخلاقيات التعامل الإنساني وإلى منطق المسؤولية الاجتماعية، مركّزًا على جوهر الإشكال المتمثل في تحويل الخلافات الحميمية إلى مادة عمومية مستباحة، و مأدبة يقتات منها العادي و البادي. ويؤكد أن الإساءة المتبادلة بين الأزواج السابقين، سواء كان ذلك بدافع الغضب أو الانتقام، لا تُلحق الأذى بالطرف الآخر فقط، بل تصيب الأبناء والعائلة في العمق، وتتحول إلى عملية تدمير ذاتي لا رابح فيها. هذا الطرح يجد صداه في مدونة الأسرة المغربية التي تلزم الطرفين بحفظ كرامة الزوج والزوجة بعد الانفصال، وتعتبر الإضرار المتعمّد موجبًا للمساءلة القانونية.

ويتطرق الأستاذ “حسن فاتح” إلى مسألة اللجوء إلى القضاء، معتبرًا أن معاتبة من يختار المؤسسات الدستورية لحماية نفسه وعائلته بدل الرد عبر الفيديوهات أو الخرجات المثيرة أمر يحتاج إلى إعادة نظر. فالقضاء، بحسب رأيه، ليس وسيلة للانتقام، بل هو ملاذ لمن يتعرض للتشهير أو الافتراء، خاصة حين يستنفد الصبر وتتحول الاعتداءات اللفظية إلى اعتداء على السمعة والأمن الأسري، وهو طرح ينسجم مع الدستور المغربي الذي ينص على حماية الحياة الخاصة، ومع القوانين التي تجرّم القذف والتشهير.

ويرى الإعلامي المغربي أن تنازل الرجل عن شكايته، إن تم وفق شروط، تدخل في إطار حقه الطبيعي، لكنه يشدد على أن طلب التساهل كان يجب أن يبدأ من الطرف الذي اختار التشهير أولًا، وأن التسامح لا يعني بأي حال تبرئة أو إدانة قبل حكم القضاء. وفي استحضاره لمرجعيات أخلاقية مثل “العافين عن الناس” و“الكاظمين الغيظ”، يقدم فاتح رؤية تجمع بين احترام المساطر القانونية واحترام الإنسان، دون أن تُسقط أي حق أو تقفز على أي مسؤولية.

ويتوسع تحليل “حسن فاتح” ليشمل ظاهرة آخذة في الاتساع داخل الفضاء الرقمي، وهي نشر “غسيل البيوت” بكل تفاصيله الحميمية دون مراعاة للعشرة التي مضت أو لإمكانية العودة أو لحماية الأطفال والعائلات أو للحياة المستقبلية للطرفين. ويرى أن هذه الحرب الأسرية المفتوحة بلا هوادة تجعل الجميع خاسرًا، لأنها تلغي الكرامة الإنسانية وتخلق جروحًا يصعب التئامها، وتحوّل الناس إلى قضاة فوق المؤسسات، وتمنح المنصات سلطة تدمير السمعة في لحظات.

كما يتطرق طرح الإعلامي “حسن فاتح” إلى أن الخلافات العائلية لم تعد تُوَاجَهُ في إطارها الطبيعي، بل أصبحت تُفرغ في الفضاء الرقمي بطريقة تُهدد القيم والمجتمع، وتفرض حاجة ملحّة إلى تربية أسرية رقمية جديدة، وإلى وعي قانوني أكبر لدى المواطنين، وتحرك تشريعي يضبط هذا الفضاء، ومسؤولية مهنية لدى المؤثرين ومنتجي المحتوى. وهو طرح يتقاطع مع التوجهات التشريعية الحالية في المغرب التي تحاول مواجهة الإشاعة والتشهير وضبط الانفلات الرقمي، انسجامًا مع قول الله تعالى: “فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان”، لنكون أمام منهج حياة لو التزم به الجميع حتى يختفى كثير من الضجيج والتشهير والانكسارات الأسرية.


* بوحافة العرابي :
  • باحث أكاديمي في مجال الصحافة، والإعلام الاجتماعي والسياسي
  •  كاتب صحفي مقيم بأوروبا
  • رئيس هيئة التحرير والنشر بالجريدة العربية
زر الذهاب إلى الأعلى