
وسيط المملكة المغربية بمكناس: تأكيد على ضرورة تجاوز مساواة النصوص لمساواة الواقع
الجريدة العربية – محمد حميمداني
شهدت “مدينة مكناس”، أمس الثلاثاء. تنظيم البرنامج الوطني “نحو إدارة المساواة”. وذلك من خلال لقاء تفاعلي جمع الفرع المحلي ل”وسيط المملكة” ب”مكناس بمكونات المجتمع المدني و”جامعة مولاي اسماعيل”. وذلك بغاية تشخيص الاختلالات المجالية التي تعيق المساواة بين الجنسين في ولوج الخدمات العمومية.
وقد كشف اللقاء عن إشكالات حادة في مجالات الحماية الاجتماعية، العقار، المعاشات والوثائق الإدارية. ليخرج في الختام بتوصيات عملية تهدف لترجمة النصوص الدستورية لسياسات ملموسة. في خطوة تروم لإعادة هيكلة علاقة المواطن بالإدارة على أساس الكرامة والإنصاف.
اللقاء الذي انعقد بمقر “المندوبية المحلية لمؤسسة الوسيط بمكناس” حمل شعار : “الإدارة المغربية ورهان المساواة بين الجنسين”. وقد شكل محطة فارقة هامة في مسار إصلاح الإدارة العمومية. وذلك بغاية جعلها أكثر عدالة وشفافية وضامنة بالتالي لتكافؤ الفرص بين المواطنين دون أي تمييز.
غنى في التفاعل وحضور متنوع سمة ميزت اللقاء
حضر هذا اللقاء الهام ممثلون عن فعاليات المجتمع المدني، أساتذة باحثون من “جامعة المولى إسماعيل” بمكناس إضافة لطلبة في سلك الدكتوراه وإعلاميون محليون. وهو ما أضفى عليه طابعا تشاركيا واسعا. مجسدا بذلك انفتاح المؤسسة على محيطها الجمعوي والأكاديمي.
في كلمة ألقاها بالمناسبة، شدد “محمد حلوان”، المندوب المحلي للمؤسسة بمكناس. على أن هذا البرنامج ليس مجرد مبادرة توعوية، بل تنزيل عملي لمقتضيات الدستور المغربي ذات الصلة بالمساواة وتكافؤ الفرص ومحاربة التمييز. مؤكدا على أن نجاح هذا الورش رهين بإقامة شراكة استراتيجية مع المجتمع المدني والجامعة، باعتبارهما ركيزتين أساسيتين لتشخيص الاختلالات واقتراح الحلول.
إقامة ورشات تشخيصية تداولت في إشكالات مركزية هامة
توزعت محاور هذا اللقاء التفاعلي على أربع ورشات، انصيت بالنقاش والتمحيص على مقاربة إشكالات مركزية ذات صلة بالمساواة: العقار، المعاشات، التغطية الصحية والاجتماعية والوثائق الإدارية.
في هذا السياق، عرضت “ابتسام حموشي”، متصرفة بالمندوبية. للاختلالات المسجلة في هذا الباب، حاصرة إياها في النقط التالية:
ففي مجال الحماية الاجتماعية تم تسجيل صعوبة في حصول الأمهات الحاضنات على التعويضات العائلية بعد انحلال الأسرة. ميرزة وجود تعقيدات تحد من ولوج النساء لبرامج الدعم والتغطية الصحية.
وفيما يتعلق بالمعاشات، تم تسجيل حرمان الأزواج من معاش زوجاتهم الموظفات بعد وفاتهن. في مقابل استفادة النساء من نصف معاش أزواجهن. وهو ما يكشف عن تمييز واضح.
كما تم الوقوف على استمرار وجود عراقيل أمام النساء لحظة الرغبة في الحصول على الوثائق الإدارية، خاصة في العالم القروي. وتحديدا لحظة الرغبة في الحصول على وثائق أبنائهن بسبب العقلية الذكورية السائدة.
وفيما يتصل بالعقار. تم التأكيد على استمرار إقصاء النساء السلاليات من الاستفادة الفعلية من حقهن، وذلك على الرغم من المذكرات الوزارية الصادرة. إضافة لتصنيف السكن باسم المرأة كـ”ثانوي” وهو ما يثقل كاهلهن بالضرائب.
نقاش تفاعلي خلص لتقديم مقترحات عملية
مداخلات المجتمع المدني والطلبة الباحثين تمحورت على ضرورة التطبيق السليم لمبدأ المساواة، خاصة في الخدمات الموجهة للفئات الهشة كالأرامل والمطلقات وكبار السن. مقترحة توصيات عملية أبرزها:
ففي مجال العقار، تمت الدعوة لتعميم منصات رقمية لتبسيط المساطر. مع تعزيز الشفافية وتوسيع برامج التوثيق. أما فيما يتعلق بالمعاشات، فقد تم اقتراح توحيد الأنظمة، رقمنة الإجراءات وتعميم التغطية التضامنية. وفي الشق المتصل بالتغطية الصحية، فقد تم التأكيد على ضرورة إحداث نظام ضمان صحي مجاني. مع تقوية البنيات الأساسية والتعاون مع الجمعيات. أما في الجانب المتصل بالوثائق الإدارية، فقد تم التنبيه لضرورة العمل على رقمنة الإجراءات بشكل شمولي. مع إحداث مكاتب متنقلة وتكوين الموظفين على مبادئ الحكامة والمساواة.
تأكيد على ضرورة اعتماد نهج ترابي يراعي الخصوصيات
خلص اللقاء لجملة من التوصيات الاستراتيجية، ضمنها: اعتماد نهج ترابي يراعي خصوصيات كل منطقة. مع تعزيز اللامركزية والمراقبة المستقلة لأداء الإدارات. إضافة لإشراك المجتمع المدني في تقييم السياسات العمومية. فضلا عن تنظيم ندوة علمية ب”جامعة المولى إسماعيل” في موضوع “نحو إدارة المساواة”.
كما اقترح المشاركون إحداث “مجلس المساواة المحلي” كآلية دائمة للتشاور. وذلك بغاية تقليص الفوارق الجنسية والاجتماعية. مع تمكين النساء والشباب من لعب أدوار قيادية في التنمية المحلية.
مطالبة بتنفيذ مقتضيات الدستور
في كلمة ألقاها بالمناسبة، قال الفاعل الجمعوي “حسن جبوري”، رئيس الفضاء الجمعوي للتنمية التشاركية. “نحن لا نطالب الدولة بامتيازات، بل بتنفيذ ما نص عليه الدستور: المساواة، الكرامة والعدالة”.
وقد يشكل البرنامج الوطني “نحو إدارة المساواة” فرصة تاريخية لإعادة بناء علاقة جديدة بين المواطن والإدارة، قائمة على أساس الثقة والإنصاف والكرامة. غير أن السؤال الجوهري الذي يبقى مطروحا هو: هل ستنجح الإدارة في ترجمة هذه التشخيصات والتوصيات إلى واقع ملموس بما يضمن عدالة حقيقية للجميع؟
والخلاصة المركزية التي يمكن استنتاجها من هاته الخطوة هي أن دور “وسيط المملكة” لم يعد يقتصر على فض المنازعات. بل أصبح فاعلا أساسيا في صناعة سياسات عمومية أكثر إنصافا وعدلا. مركزا قاعدة اساسية مفادها ان الشراكة مع الجامعة والمجتمع المدني هي الضامن لنجاح هذا الورش الإصلاحي.—
كما كان اللقاء مناسبة للوقوف حول الفجوة الحاصلة بين النص والتطبيق. حيث أكد المشاركون على أن الاختلالات المسجلة تشكل خرقا واضحا للضمانات الدستورية والقانونية. لاسيما “الفصل 19 من الدستور”، الذي يمنح الرجل والمرأة حقوقا متساوية في المجالات المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية. إضافة “للفصل 31 منه”، الذي يكفل حق المواطنين في الحصول على المعلومات وفي تقديم العرائض إلى السلطات العمومية. فضلا عن “القانون رقم 14-21 بمثابة النظام الأساسي لمؤسسة وسيط المملكة”، الذي يخول للمؤسسة صلاحية تلقي الشكاوى والتوصية بتعديل النصوص التشريعية لتعزيز حقوق المواطنين.
فالمطلب الأساسي الذي حملته خلاصات اللقاء أن ما يأمل المشاركون تحقيقه ليس هبات ومنح. بل ترجمة فعلية لدستور البلاد. لأن الكرامة والعدالة ليست شعارات، بل التزام دستوري.
لقد شكل لقاء مكناس محطة مفصلية في مسار طويل لإصلاح الإدارة المغربية. وذلك من خلال الأضواء التي سلطها على الفجوة القائمة بين النصوص التقدمية والتطبيق اليومي الرجعي. ليبقى السؤال الذي يظل معلقا هو: هل ستصغى الإدارات المعنية لصوت المواطنين والخبراء، أم أن هاته التوصيات ستلقى مصير سابقاتها في أدراج النسيان؟ الإجابة ستعطي مؤشرا حقيقيا على إرادة المغرب في الانتقال من مساواة النصوص إلى مساواة الواقع.