أعمدة الرأي

لماذا لا نحزن حين تُضرب إيران؟ ولماذا نفرح حين تُضرب إسرائيل؟

الجريدة العربية – ذ. بوحافة العرابي *

 

في زمن الالتباس، وفي عالم غارق في التناقضات السياسية والطائفية، يحق لنا كمغاربة سنة، وكعرب أوفياء لقضايا الأمة الحقة، أن نطرح هذا السؤال بصوت عالٍ: لماذا نفرح حين تتلقى إيران ضربات موجعة من إسرائيل، ولا نحزن حين تدكّ إسرائيل المواقع الإيرانية في سوريا أو العراق أو حتى داخل طهران؟

هذه الفكرة الجريئة قالها صراحة وبكل وضوح الكاتب المغربي الأستاذ إدريس زياد، حين كتب ذات مساء، وعلى حين غرة، في منشور أثار سيلاً من الانتقادات: “أفرح لضربات إيران ضد إسرائيل، ولا أحزن لضربات إسرائيل على إيران.

موقف أثار حفيظة الكثيرين، لكنه في جوهره يكشف وعياً سياسياً وعقائدياً راسخاً يدرك طبيعة ما يجري في المنطقة. ولأننا نكتب اليوم من موقع مسؤول، ومن موقع صحفي لا يهوى الركض خلف الشعارات الجوفاء، وجب أن نقولها بوضوح: إن موقف الأستاذ زياد لا ينفصل عن رؤية أوسع لدى كل مغربي سني غيور على دينه ووطنه.

الجواب، لمن يعرف حقيقة المشروع الإيراني، واضح وجلي:
إيران ليست دولة تدافع عن الإسلام ولا عن فلسطين، بل هي دولة صفوية بثوب جمهوري تُصدر مشروعًا طائفيًا بغيضًا إلى العالم العربي والإسلامي.
لقد جربناها نحن المغاربة، وذقنا مرّ تدخلها حين حاولت، عبر أذرعها المشبوهة (حزب الله وغيره)، اختراق نسيجنا الوطني والاجتماعي ودعم ميليشيات “البوليساريو”، وهو ما استدعى من الدولة المغربية موقفًا حاسمًا في قطع العلاقات مرارًا وتكرارًا مع هذا النظام العدواني.

وهنا لا بد أن نتوقف طويلاً أمام العلاقة المشبوهة التي تجمع بين النظام الجزائري العسكري ونظام طهران الصفوي. فمنذ سنوات، تعمل الجزائر الرسمية على تعميق علاقاتها بإيران، عبر تنسيق سياسي وأمني مكشوف، هدفه الأساس هو الضغط على المغرب في قضية وحدته الترابية. إيران بدورها لم تتردد في دعم ميليشيات البوليساريو، ليس فقط بالسلاح، بل كذلك بتدريب عناصرها في لبنان عبر ذراعها حزب الله. فكيف يمكننا كمغاربة أن نغفل عن هذا التحالف الآثم بين الجزائر وإيران؟

وما أشد المفارقة أن نرى النظام الجزائري يتبجح بالحديث عن “حقوق الشعوب”، بينما يتواطأ مع إيران الصفوية التي تمعن في قمع الشعوب داخل إيران ذاتها، وتقف وراء مذابح رهيبة في سوريا والعراق واليمن! ألا يكشف ذلك ازدواجية الخطاب الجزائري؟ بل وأكثر من ذلك: أليس تسهيل الجزائر لتغلغل المشروع الإيراني في شمال إفريقيا، ودعمه في قضية البوليساريو، هو خيانة صريحة لمصالح الأمة المغاربية؟

فكيف يطلب منا البعض أن نذرف دمعة واحدة حين تُقصف مواقع الحرس الثوري في دمشق أو في العمق الإيراني؟
وهل يمكن لمغربي سني، غيور على وطنه ودينه، أن ينسى ما فعلته إيران في العراق وسوريا واليمن ولبنان؟
أليست هي من صنعت ميليشيات الخراب؟
أليست هي من زعزعت الاستقرار في العالم العربي؟
أليست هي من قتلت ملايين العرب من أهل السنة؟
أليست هي من تشنّ اليوم حربًا ناعمة عبر الإعلام والمراكز الثقافية لزرع بذور الفتنة في المغرب العربي الكبير؟

وإذا كانت ضربات إيران ضد إسرائيل تثير “فرحًا ظرفيًا”، فلأن أي وهن في المشروع الإيراني الصفوي المشترك هو مكسب لنا نحن العرب السنة. ذلك أن الصراع بين إيران وإسرائيل هو في حقيقته صراع مصالح ونفوذ وليس صراعًا مبدئيًا لخدمة القضية الفلسطينية.
إيران تتاجر بفلسطين، كما تاجر بها غيرها.
لم نرها يومًا تدعم مشروعًا وحدويًا عربيًا، أو تساهم في تحرير شبر واحد من الأرض المحتلة. بل إن ما تفعله في العالم العربي من دعم للفتن والميليشيات أكبر خدمة مجانية تقدّمها للكيان الصهيوني.

لهذا، الفرح حين تُصاب إيران، والبرود حين تتلقى ضربات، ليس فقط موقفًا سياسيًا، بل هو موقف عقائدي راسخ لدى كل مغربي سني عارفٍ بحقائق الأمور. نحن لا نخدع أنفسنا بشعارات المقاومة المزعومة، ولا بشعارات محور الممانعة. ونحن ندرك تمامًا أن أي ضعف في مشروع إيران هو قوة لوطننا ولأمتنا. وأي انهيار في قدرات الحرس الثوري هو ربح صافي للعالم العربي السني. وكما قالها أحد كبار المفكرين: حين يضرب الأعداء بعضهم، فاجلس وتلذذ بالمشهد.

ولأننا في المغرب نعرف تمامًا ما فعله المشروع الإيراني في محيطنا الإقليمي، وندرك يقينًا ما يخطط له تجاه وحدة بلادنا واستقرارها، فمن الطبيعي جدًا أن نجد في هذا الموقف تعبيرًا صادقًا عن إحساس شعبي واسع:
نعم، نفرح حين تُضرب إيران.
ولا نحزن حين تدكّها إسرائيل.
وسنظل نفرح بكل وهن يصيب هذا النظام الصفوي الذي لم يأت على أمتنا إلا بالشر والفتنة.

فليغضب من يغضب.
وليرمينا البعض بالتناقض.
لكننا هنا، في المغرب الأبي، في حضن إمارة المؤمنين، نقولها بملء الفم: لا مكان للمشروع الصفوي بيننا، لا اليوم ولا غدًا.
وسنظل نقاومه بالفكر، وبالموقف، وبالتحليل الحر، وبالدفاع عن عقيدتنا السنية ووطنيتنا المغربية وولاءنا للقائد الأعلى .
فهذا الموقف ليس موقف كاتب فحسب، بل هو موقف أمة تعرف حق المعرفة من هو الصديق ومن هو العدو، ومن يزرع الخير ومن ينفث سموم الفتنة في جسدها.
وهذه هي رسالتنا، وهكذا سنبقى.


*  ذ. بوحافة العرابي : باحث أكاديمي في مجال الصحافة والإعلام الاجتماعي والسياسي
                                       كاتب صحفي مقيم بأوروبا
                                       رئيس هيئة التحرير والنشر بالجريدة العربية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى