أخبار المغرب

قبل 23 شتنبر 2026: هل دخلت استطلاعات الرأي المغربية “منطقة الخطر”؟

الجريدة العربية – محمد حميمداني


مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية، المقرر إجراؤها يوم 23 شتنبر 2026. يعود النقاش حول القواعد القانونية المؤطرة للحملة الانتخابية. وما يرافق كل ذلك من نشر للمعطيات والتوقعات المرتبطة بسلوك الناخبين، وفي مقدمتها استطلاعات الرأي، التي تقيس اتجاهات التصويت أو تقدم تقديرات بشأن نتائج الانتخابات.

تكتسي هاته المسألة أهمية خاصة، في ظل توسع الفضاء الرقمي وتزايد سرعة تداول المعلومات عبر المواقع الإخبارية ومنصات التواصل الاجتماعي. الأمر الذي يجعل احترام القيود القانونية المتعلقة باستطلاعات الرأي، جزءا من الالتزام العام بقواعد النزاهة وتكافؤ الفرص خلال العملية الانتخابية.

وهكذا، وعلى الرغم من محدودية التقاليد المتصلة بإجراء الاستطلاعات، ونشر رغبة المستطلعين في “المغرب”. إلا أن القانون “رقم 57.11″، المتعلق باللوائح الانتخابية العامة وعمليات الاستفتاء واستعمال وسائل الاتصال السمعي البصري العمومي، خلال الحملات الانتخابية والاستفتائية. يتضمن مقتضيات صارمة في هذا الشأن.

منع الاستطلاعات خلال فترة محددة

يضع “القانون رقم 57.11″، إطارا قانونيا واضحا لعمليات القيام باستطلاعات رأي ذات صلة بالعملية الانتخابية، أو نشر محتوياتها.
في هذا السياق، نشير إلى أن “القانون رقم 57.11″، يشتمل على 136 مادة، موزعة على سبعة أقسام، تتعلق بوضع اللوائح الانتخابية العامة ومراجعتها وضبطها. فضلا عن الأحكام الخاصة بتنظيم الاستفتاءات وتحديد المخالفات والعقوبات المتعلقة بالقيد في اللوائح الانتخابية وبمناسبة الاستفتاء. إضافة لاستطلاعات الرأي واستعمال وسائل الاتصال السمعي البصري العمومية، خلال الانتخابات العامة، ومساهمة الدولة في تمويل الحملات الانتخابية للمنظمات النقابية.

في هذا الشأن، تنص “المادة 115 من ذات القانون”، على منع إجراء استطلاعات الرأي، التي لها علاقة مباشرة أو غير مباشرة بالانتخابات التشريعية أو انتخابات مجالس الجماعات الترابية أو الغرف المهنية. خلال الفترة الممتدة من اليوم الخامس عشر السابق للتاريخ المحدد لانطلاق الحملة الانتخابية إلى غاية انتهاء عمليات التصويت.

وقد جاء في ديباجة هاته المادة من ذات القانون: وجوب منع إجراء استطلاعات الرأي المرتبطة بالانتخابات. 15 يوما من تاريخ انطلاق الحملة الانتخابية، وإلى غاية انتهاء عمليات التصويت. حيث يمنع المشرع خلالها إجراء أي استطلاع للرأي له علاقة مباشرة أو غير مباشرة بالانتخابات أو الاستفتاء. مع منع نشر نتائج استطلاعات الرأي أو التعليق عليها. ويشمل هذا المنع كذلك منصات شبكات التواصل الاجتماعي والحسابات الرقمية وأدوات الذكاء الاصطناعي. مقررا عقوبات حبسية في حق المخالفين مع الغرامة.

لا يقتصر المنع على إجراء الاستطلاع، بل تمتد هاته المقتضيات القانونية إلى منع نشر نتائج أي استطلاع للرأي، ذا صلة مباشرة أو غير مباشرة بالانتخابات. أو التعليق عليها. خلال ذات الفترة.  

تبعا لذلك، فالمشرع لم يحصر المسألة في المؤسسات المتخصصة في استطلاعات الرأي. وإنما وضع قيدا زمنيا على إجراء هاته الاستطلاعات، وعلى تداول نتائجها، والتعليق عليها خلال الفترة التي حددها القانون.

نطاق المنع

تكمن أهمية “المادة 115″، في استعمالها عبارة “بأي وسيلة كانت”، عند الحديث عن نشر نتائج استطلاعات الرأي أو التعليق عليها.
من الناحية العملية، يعني ذلك، أن التعامل مع نتائج استطلاع محظور، خلال الفترة القانونية. لا يرتبط بشكل الوسيلة الإعلامية المستعملة فقط، بل بالمضمون، والفترة الزمنية التي تم فيها النشر أو التعليق.

تبعا لذلك، تكتسي المعالجة المهنية للمعطيات الانتخابية، أهمية مضاعفة بالنسبة لوسائل الإعلام والمواقع الإلكترونية والفاعلين السياسيين. وكل من يتولى نشر محتوى ذا صلة بالانتخابات.

لماذا اختيار هاته الفترة؟

يرتبط منع استطلاعات الرأي خلال هاته المرحلة، بحساسيتها من جهة كونها فترة سابقة للاقتراع. حيث يمكن لتوقعات التصويت أو نتائج الاستطلاعات أن تدخل على خط تشكيل النقاش العام. وبالتالي التأثير في تصورات الناخبين بشأن حظوظ الأحزاب والمرشحين.

في هذا السياق، فإن هذا التنظيم يهدف إلى الحد من تأثير ما يمكن أن يسمى بـ”توقعات النتيجة” على السلوك الانتخابي. خصوصا عندما يتم تقديم نتائج استطلاعات غير قابلة للتحقق بسهولة. أو لا تتوفر على منهجية علمية. ما يجعل هوامش الخطأ فيها كبيرة. لعدم اختيارها عينة تشكل قاعدة فعلية لتحقيق موضوعية الخلاصات. فضلا عن عدم توفر الجهة التي أجرتها على معلومات ومعطيات كافية يمكن أن تشكل قاعدة علمية للوصول لنتائج علمية دقيقة.

كما تسعى القاعدة القانونية من خلال هاته الخطوة، إلى توفير فترة انتخابية أكثر وضوحا من جهة المعلومات المتداولة. بحيث لا تتحول استطلاعات الرأي إلى عنصر إضافي في المنافسة السياسية، خلال الأيام السابقة للاقتراع.

القانون والنقاش السياسي

لا يعني منع استطلاعات الرأي وقف النقاش السياسي، أو منع وسائل الإعلام من تحليل المشهد الانتخابي.
فالحديث الصحفي عن البرامج الانتخابية، ومواقف الأحزاب، والحصيلة الحكومية، والسياق السياسي، والتحليل الانتخابي. يختلف قانونيا عن إجراء استطلاع للرأي، أو نشر نتائجه خلال الفترة التي يشملها المنع.

هنا تبرز أهمية التمييز بين “التحليل الصحفي المبني على معطيات معلنة”. وبين “استطلاع رأي يستهدف قياس توجهات الناخبين أو توقعاتهم الانتخابية”.
كما أن إعادة نشر نتائج استطلاع سابق، لا تعني تلقائيا أن النشر أصبح مباحا، خلال فترة المنع. إذ ينبغي التعامل مع المسألة في ضوء المقتضيات القانونية والزمنية، المنصوص عليها في “المادة 115”.

مسؤولية وسائل الإعلام خلال ذات الفترة

تضع هاته المقتضيات، وسائل الإعلام أمام مسؤولية مهنية وقانونية دقيقة. خصوصا مع سرعة انتشار المحتوى الانتخابي على الإنترنت.
تبعا لذلك، فإن إعادة تداول مادة قديمة، أو نشر عنوان يوحي بوجود “توقع انتخابي”، دون التحقق من تاريخ الاستطلاع وطبيعته. يمكن أن يخلق لبسا لدى الجمهور، في شأن الوضع القانوني للمحتوى المنشور.

من هنا، تصبح عملية التحقق من تاريخ إعداد الاستطلاع، والجهة التي أنجزته، وطبيعة الأسئلة والمنهجية المعتمدة وطبيعة العينة المنتقاة. فضلا عن تاريخ نشره عناصر أساسية في المعالجة الصحفية المهنية.

الانتخابات الرقمية تحد أمام تطبيق القانون

يطرح التحول الرقمي تحديات إضافية أمام تطبيق القواعد القانونية ذات الصلة باستطلاعات الرأي. إذ لم يعد المحتوى الانتخابي يمر فقط عبر الصحافة الورقية أو القنوات التلفزيونية والإذاعية. بل أصبح ينتشر عبر المواقع الإلكترونية والمنصات الرقمية والحسابات الشخصية والمحتوى الذي ينتجه المستخدمون.

كما أن تقنيات الذكاء الاصطناعي، قادرة على إعادة صياغة المعلومات القديمة، أو توليد محتويات جديدة بسرعة كبيرة. الأمر الذي يجعل التحقق من مصدر المعلومات وتاريخها وسياقها أكثر أهمية خلال الفترة الانتخابية.

لا تقف المنظومة القانونية عند حدود تحديد قواعد المنع. بل تتضمن كذلك مقتضيات زجرية ضمن سياق القانون نفسه. ما يجعل احترام الأحكام المتعلقة باستطلاعات الرأي مسؤولية قانونية وليست مجرد توصية مهنية.

لهذا، فإن أي معالجة صحفية أو رقمية لاستطلاعات الرأي الانتخابية، خلال الفترة المحظورة، ينبغي أن تتم بحذر شديد. مع الرجوع إلى النص القانوني الرسمي وأحدث صيغة محينة منه قبل النشر.

23 شتنبر: الاختبار الحقيقي يكمن في احترام القواعد

مع اقتراب الانتخابات التشريعية، لا يرتبط النقاش حول استطلاعات الرأي بما إذا كانت هاته الأدوات متاحة، أو محظورة في فترة معينة فقط. بل يتعلق أيضا بجودة المعلومة الانتخابية، ومدى احترام القواعد المنظمة لتداولها.

ففي الوقت الذي تتنافس فيه الأحزاب والمرشحون على أصوات الناخبين. تصبح مسؤولية وسائل الإعلام والفاعلين الرقميين مضاعفة. من جهة التمييز بين الخبر والتحليل والرأي والاستطلاع. وبين المعطيات التي يمكن تداولها بشكل عادي وتلك التي تخضع لقيود زمنية محددة.

لذلك، تضع “المادة 115″، من “القانون رقم 57.11″، إطارا زمنيا واضحا لمنع إجراء استطلاعات الرأي الانتخابية، ونشر نتائجها أو التعليق عليها. ما يجعل احترام هذا المقتضى جزءا من منظومة أوسع تروم حماية نزاهة المنافسة الانتخابية. فضلا عن ضمان وضوح المعلومة المتداولة خلال هاته المرحلة، التي تعتبر أكثر حساسية في المسار الانتخابي.

تشريع يهدف لجعل صندوق الاقتراع هو الفيصل في تحديد إرادة الناخبين. من خلال إلزام الفاعلين السياسيين والإعلاميين والرقميين باحترام الناخب وضمان وصوله إلى يوم التصويت في بيئة معلوماتية تحترم القانون. وتفصل بوضوح بين الوقائع والتوقعات والدعاية والنتائج الفعلية.

يأتي هذا التنظيم، في سياق حرص المملكة المغربية، على ضمان نزاهة العملية الانتخابية. والأهم تفادي التأثير على اختيارات الناخبين من خلال نتائج استطلاعات الرأي، أو التوقعات المرتبطة بنوايا التصويت، خلال هاته الفترة الحساسة من العملية الانتخابية، التي تسبق موعد الاقتراع. الأمر الذي يضع وسائل الإعلام والفاعلين السياسيين ومؤسسات استطلاع الرأي أمام مسؤولية كبيرة. مجبرا الجميع على احترام الآجال القانونية الممنوحة، والضوابط المنظمة لنشر المعطيات الانتخابية. وذلك لتفادي الوقوع تحت طائلة الزجر القضائي.

زر الذهاب إلى الأعلى