
طاطا: عندما يتحول المشهِّر إلى ضحية: حكاية “ولد باكا” وتضامن الأصدقاء الموسميين
الجريدة العربية -مكتب الرباط
يبدو أن بعض القصص في زمننا هذا تُكتب بطريقة معكوسة؛ فالبطل ليس من يتعرض للتشهير، بل من يمتهنه. والضحية ليست من طاله الظلم، بل من اعتاد أن يوزعه على الناس بسخاء. وفي هذا السياق تبرز فجأة حكاية “ولد باكا“، الذي قرر هذه الأيام أن يرتدي عباءة الضحية، وأن يستجدي تدوينات تضامن من أصدقاء المصلحة.
المضحك في الأمر، والمثير للسخرية في الآن ذاته، أن كثيرا من هذه التدوينات جاءت كاشفة أكثر مما كانت مدافعة. فقد اندفع بعض المتضامنين للكتابة بحماسة لافتة، لكنهم من حيث لا يشعرون كشفوا أنهم لا يعرفون شيئا عن جوهر الملف. كل ما فعلوه أنهم ابتلعوا الرواية الجاهزة التي قدمها لهم صاحبنا، الذي أتقن لعب دور الضحية بعد أن نجح في تسويق نفسه كذلك، ثم انطلقوا في توزيع الأحكام وكأنهم كانوا شهودا على الوقائع.
غير أن المشكلة لا تقف عند هذا الحد. فالقضية، كما يرويها من وجدوا أنفسهم يوما هدفا لمنصته”حدث طاطا“، تتعلق بشخص لم يتردد في استعمال الفضاءات المتاحة للتشهير بأناس لم يعادوه يوما، ولم تكن لهم معه خصومة تذكر، بحسب ما صرحوا به وأكدوه. لكن يبدو أن من اعتاد إطلاق السهام لا يتوقع يومًا أن ترتد نحوه.
وإذا كانت محاولة استجداء التضامن بحد ذاتها مثيرة للتأمل، فإن الأكثر إثارة للاشمئزاز هو أن يهبّ بعضهم من بيوت زجاجية جدا، ومن ماض يعرفه أبناء بلدته جيدا، ليقدم دروسا في الأخلاق والشرف. فجأة يتحول من يعرف الجميع كيف شق طريقه عبر المحسوبية والزبونية إلى واعظ يوزع صكوك النزاهة على الناس.
أما الطريف حقا فهو ظهور بعض الوجوه التي قررت فجأة أن تتحول إلى حراس للأخلاق. والتي تسابق الزمن هذه الأيام بحثا عن براءة بأي ثمن، اختارت أن تلقي دروسا في الشرف والنزاهة، هؤلاء التضامنون أطلقوا حملة تضامن تبدو في ظاهرها حماسية، لكنها في العمق لا تخلو من ضعف واضح، وكأنها محاولة يائسة للتأثير على مسار العدالة. غير أن القضاء، على ما يبدو، لم ينشغل كثيرا بهذه الضوضاء، فقد فطن إلى هذه المناورات وواصل إجراءاته المسطرية بهدوء.
وفي خضم هذا الضجيج، يحاول البعض البحث للقضية عن شماعات بعيدة عنها، في محاولة واضحة لدغدغة مشاعر السلطة . غير أن مثل هذه المناورات تبدو مكشوفة أكثر مما يتصور أصحابها.
في النهاية، قد ينجح البعض مؤقتا في قلب الأدوار، وقد تنطلي الحكاية على من لا يعرف التفاصيل. لكن الحقيقة البسيطة التي يعرفها الجميع هي أن من اعتاد التشهير بالناس لا ينبغي أن يفاجأ كثيرًا عندما يجد نفسه فجأة في موقع المساءلة.
فالأدوار قد تتبدل لكن الوقائع تبقى، وقد تنجح بعض المسرحيات في جمع تصفيق سريع على مواقع التواصل، لكن خارج الخشبة، حيث توجد الوقائع والملفات، تبقى الحقيقة أقل ضجيجا… لكنها أكثر ثباتا.
يتبع…