
ضبط مركبة دبلوماسية بجمارك سبتة يعيد الجدل حول إساءة استغلال الحصانة الدبلوماسية
الجريدة العربية
أعاد اعتراض السلطات الإسبانية لمركبة تحمل لوحات دبلوماسية تابعة لسفارة جنوب إفريقيا بالرباط، للاشتباه في استخدامها في نقل سلع محظورة عبر معبر تراخال الحدودي المؤدي إلى مدينة سبتة المحتلة، فتح النقاش مجددًا حول حدود الحصانة الدبلوماسية وإمكانية استغلالها في أنشطة غير مشروعة.
وبحسب معطيات تداولتها وسائل إعلام إسبانية ونقلتها مصادر مطلعة، فإن عناصر من الوحدة المتخصصة في الجرائم الضريبية والحدودية التابعة للحرس المدني الإسباني أوقفت، الخميس الماضي، سيارة دبلوماسية كانت في طريقها إلى المغرب، بعد الاشتباه في احتوائها على كميات من تبغ الشيشة وسلع أخرى يُعتقد أنها كانت معدة للتهريب.
وأفادت المصادر ذاتها بأن سائق المركبة، وهو مواطن من غينيا ويعمل ضمن طاقم السفارة الجنوب إفريقية بالمغرب، أُحيل على القضاء الإسباني للاشتباه في تورطه في قضية تتعلق بالتهريب العابر للحدود.
ويرى الخبير في الشؤون الأمنية عبد الرحمن مكاوي أن المركبات والبعثات الدبلوماسية تتمتع بحماية قانونية واسعة تمنع إخضاعها للتفتيش أو اتخاذ إجراءات ضدها، انسجامًا مع الأعراف والاتفاقيات الدولية المنظمة للعلاقات الدبلوماسية. وأوضح أن هذه الحماية تمتد كذلك إلى الحقائب والمراسلات الدبلوماسية، التي لا يجوز فتحها أو حجزها ما دامت مختومة وتحمل العلامات الرسمية المعتمدة، إلا في حالات استثنائية ترتبط بوجود معطيات أمنية قوية تثبت وقوع نشاط إجرامي.
وأشار مكاوي إلى أن التاريخ سجل حالات متعددة أُسيء فيها استخدام الامتيازات الدبلوماسية، مستحضرًا قضايا أثارت جدلًا في أوروبا بشأن استغلال وسائل النقل أو البريد الدبلوماسي في عمليات تهريب المخدرات أو الأموال، وهو ما دفع بعض الدول إلى تشديد آليات المراقبة والرصد دون المساس بالإطار القانوني المنظم للحصانة.
وأكد الخبير أن تعديل قواعد الحصانة الدبلوماسية ليس بالأمر اليسير، باعتبارها تستند إلى اتفاقيات دولية راسخة، وفي مقدمتها اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية، التي تمنح ممثلي الدول حماية قانونية واسعة لضمان أداء مهامهم دون ضغوط أو تدخلات.
وأضاف أن مواجهة حالات الاستغلال غير المشروع لهذه الامتيازات تعتمد أساسًا على العمل الاستخباراتي والمراقبة الميدانية وضبط المخالفين في حالة تلبس خارج نطاق الحصانة المباشرة، موضحًا أن السلطات الأمنية لا تملك قانونًا صلاحية تفتيش المركبات أو الحقائب الدبلوماسية، حتى في حال الاشتباه، ما لم تتوافر ظروف قانونية استثنائية تسمح بالتدخل.
كما أبرز الدور الذي تلعبه التقنيات الحديثة وأجهزة الكشف والكلاب البوليسية في رصد المواد الممنوعة، مشددًا على أن اكتشاف مؤشرات أولية لا يمنح تلقائيًا الحق في تفتيش الوسائل الدبلوماسية، ما يجعل عمليات الضبط رهينة بتوافر أدلة وحالات تلبس واضحة.
من جانبه، اعتبر أستاذ القانون العام بجامعة محمد الخامس بالرباط، عباس الوردي، أن الامتيازات والحصانات الدبلوماسية وُجدت لتسهيل أداء البعثات الرسمية وتعزيز العلاقات بين الدول، وليس لتوفير غطاء قانوني لأنشطة مخالفة للقوانين الوطنية أو الدولية.
ودعا الوردي إلى مراجعة الإطار القانوني المنظم للحصانات الدبلوماسية بما يحد من أي استغلال محتمل لها، مقترحًا إدراج جرائم التهريب بشكل صريح ضمن الحالات التي يمكن أن تبرر رفع الحصانة عن الدبلوماسيين المتورطين فيها، بما يسمح بإخضاعهم للمساءلة القضائية وفقًا للقانون.
وأوضح أن استغلال الصفة الدبلوماسية في أعمال غير مشروعة يمثل إخلالًا جسيمًا بالثقة التي تمنحها الدول لممثليها، كما ينعكس سلبًا على صورة الدولة المعنية ويقوض مصداقية العمل الدبلوماسي أمام المجتمع الدولي.
وفي السياق ذاته، دعا أستاذ القانون إلى إطلاق نقاش دولي حول تطوير آليات أكثر صرامة لمواجهة الانتهاكات المرتبطة بالحصانة الدبلوماسية، بما في ذلك فرض عقوبات قد تصل إلى الحرمان النهائي من ممارسة المهام الدبلوماسية في الحالات التي تثبت فيها المخالفات.
كما شدد على أهمية تعزيز الوعي داخل السلك الدبلوماسي بواجبات احترام القانون والالتزام بالأعراف الدولية، مؤكدًا أن الحفاظ على هيبة الدبلوماسية يقتضي منع استغلال امتيازاتها في أنشطة مثل التهريب أو الاتجار بالبشر أو المخدرات أو غيرها من أشكال الجريمة المنظمة العابرة للحدود، بما يسهم في صون الأمن الدولي والحفاظ على الثقة المتبادلة بين الدول.