
سقوط أسطورة “المراقب”: الجزائر بين خطاب الحياد وحقائق التفاوض
الجريدة العربية
لم يعد ممكناً، في ضوء التحولات الدبلوماسية الأخيرة، استمرار الخطاب الذي قدم الجزائر لعقود باعتبارها مجرد “مراقب” في نزاع الصحراء المغربية. فالتطورات التي شهدتها الساحة الدولية، خاصة في ضوء الاجتماعات الأخيرة التي احتضنتها العاصمة الإسبانية مدريد، والتصريحات الصادرة عن مسؤولين دوليين بارزين، تعيد طرح السؤال الجوهري حول طبيعة الدور الجزائري الحقيقي في هذا الملف، وتكشف حدود الرواية التي ظلت الجزائر تتمسك بها في المحافل الدولية.
لقد شكلت التصريحات الأخيرة لمسعد بولس، المستشار الرئيسي للرئيس الأمريكي للشؤون العربية والإفريقية، نقطة تحول لافتة في توصيف هذا الدور. فإقراره بمشاركة الجزائر في المشاورات التي جرت تحت إشراف أمريكي، واعتبار مقترح الحكم الذاتي المغربي أساساً للنقاش، يعكس تحولاً مهماً في المقاربة الدولية للنزاع. هذا التطور لا يقتصر على مجرد تفصيل دبلوماسي، بل يحمل في طياته دلالات أعمق تتعلق بإعادة تعريف الأطراف الفاعلة في هذا الملف، وفق ما كرسته أيضاً قرارات مجلس الأمن، وفي مقدمتها القرار 2797.
طوال سنوات، استندت الجزائر إلى خطاب سياسي ودبلوماسي يقوم على التأكيد بأنها ليست طرفاً مباشراً في النزاع، بل مجرد بلد جارٍ معني بالاستقرار الإقليمي. غير أن الوقائع المتراكمة، بدءاً من مشاركتها في موائد جنيف المستديرة، وصولاً إلى انخراطها في المشاورات الأخيرة، تؤكد أن المجتمع الدولي بات يتعامل معها باعتبارها طرفاً أساسياً في معادلة التسوية، وليس مجرد مراقب خارجي.
هذا التحول يعكس أيضاً تطوراً أوسع في موازين القوى الدبلوماسية المحيطة بالنزاع. فخلال السنوات الأخيرة، شهد مقترح الحكم الذاتي المغربي دعماً متزايداً من عدد من القوى الدولية، التي باتت تعتبره إطاراً واقعياً وعملياً لتسوية النزاع، في مقابل تراجع المقاربات التقليدية التي ظلت تراهن على حلول لم تجد طريقها إلى التنفيذ منذ عقود.
في هذا السياق، لم تعد القضية محكومة فقط بخطابات السيادة أو الشعارات السياسية، بل أصبحت جزءاً من معادلة جيوسياسية أوسع، ترتبط بالاستقرار الإقليمي، وبإعادة تشكيل التحالفات الدولية، وبالتوازنات الجديدة التي يشهدها النظام الدولي. فالقوى الكبرى باتت تنظر إلى هذا النزاع من زاوية البراغماتية السياسية، حيث يتم تقييم المقترحات بناءً على قابليتها للتطبيق، وليس فقط على مشروعيتها النظرية.
كما أن إدراج الجزائر ضمن الأطراف المعنية بشكل مباشر، كما ورد في قرارات مجلس الأمن الأخيرة، يعكس إدراكاً دولياً متزايداً بأن أي حل مستدام للنزاع لا يمكن أن يتحقق دون مشاركة جميع الأطراف الفاعلة، بما فيها الجزائر، التي تشكل بحكم موقعها الجغرافي والسياسي جزءاً من معادلة الحل.
إن ما نشهده اليوم ليس مجرد تطور ظرفي، بل يعكس تحولاً تدريجياً في طبيعة التعامل الدولي مع هذا الملف. فالروايات السياسية التي كانت مقبولة في مراحل سابقة لم تعد تجد نفس الصدى في ظل معطيات جديدة، حيث أصبحت الواقعية السياسية هي المحدد الرئيسي لمسار التسوية.
في نهاية المطاف، يبدو أن المرحلة الحالية تفتح الباب أمام إعادة صياغة المعادلة الدبلوماسية المرتبطة بقضية الصحراء، في اتجاه مقاربة أكثر وضوحاً، تقوم على تحديد المسؤوليات، والانخراط الفعلي في مسار التسوية، بعيداً عن ازدواجية الخطاب أو ضبابية المواقف. وهي لحظة فارقة قد تحدد، إلى حد بعيد، ملامح المرحلة المقبلة في واحد من أطول النزاعات الإقليمية في شمال إفريقيا.