
خطاب العرش يرسم ملامح مغرب جديد: من تراكم الإصلاحات إلى معركة السيادة والتنمية
الجريدة العربية
قراءة في الخطاب الملكي السامي: الجزء الأول
لم يكن الخطاب الملكي السامي الذي وجهه جلالة الملك محمد السادس، نصره الله، إلى الشعب المغربي بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لاعتلاء جلالته العرش، مجرد خطاب احتفالي يستحضر حصيلة سنوات من العمل والعطاء، بل جاء بمثابة وثيقة سياسية واستراتيجية تحمل رؤية واضحة لمسار المغرب في المرحلة المقبلة، وتقدم قراءة شاملة للتحولات التي عرفتها المملكة، وللرهانات الكبرى التي تنتظرها في عالم تتسارع فيه التحولات الاقتصادية والجيوسياسية. فالخطاب لم يتوقف عند حدود استعراض المنجزات، وإنما انتقل إلى طرح سؤال المستقبل: كيف يمكن للمغرب أن يحصن مكتسباته، ويحول الأوراش الكبرى التي أطلقها خلال العقود الماضية إلى قوة اقتصادية واجتماعية قادرة على ضمان مكانته ضمن الدول الصاعدة؟
لقد جاء خطاب العرش في سياق دولي وإقليمي شديد التعقيد، حيث تتداخل الأزمات الاقتصادية مع التحولات الجيوسياسية، وتعود فيه مفاهيم السيادة والاستقلالية الاقتصادية إلى الواجهة بعد أن كشفت الأزمات العالمية المتتالية هشاشة العديد من النماذج القائمة على التبعية المفرطة لسلاسل الإنتاج الخارجية. ومن هذا المنطلق، فقد حمل الخطاب الملكي رؤية متكاملة لمغرب يريد أن يعزز موقعه ليس فقط كبلد مستقر سياسيا، وإنما كقوة اقتصادية إقليمية تمتلك القدرة على الإنتاج، والابتكار، وجذب الاستثمارات، وصناعة شراكات متوازنة مع مختلف القوى الدولية.
إن الرسالة المركزية التي يمكن استخلاصها من الخطاب تتمثل في أن المغرب يقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي؛ فقد تجاوز مرحلة بناء الأسس الكبرى للدولة الحديثة، وأصبح مطالبا بالانتقال إلى مرحلة جديدة عنوانها الأساسي هو تعظيم مردودية هذه الأوراش، وتحقيق أثرها المباشر على حياة المواطنين، وجعل التنمية الاقتصادية أكثر ارتباطا بالعدالة الاجتماعية والمجالية. فالرهان لم يعد فقط في حجم المشاريع المنجزة، وإنما في قدرة هذه المشاريع على إنتاج الثروة، وتوفير فرص الشغل، وتقليص الفوارق، وتعزيز ثقة المواطن في المسار التنموي الوطني.
الثقة والاستقرار.. رأسمال المغرب الأول
شكل مفهوم الثقة أحد المفاتيح الأساسية لفهم مضامين الخطاب الملكي، حيث دعا جلالة الملك إلى ضرورة أن تسود “روح الثقة والتفاؤل” في مواجهة خطابات اليأس والإحباط. وهذه الدعوة لا يمكن قراءتها باعتبارها مجرد رسالة معنوية أو خطاب تحفيزي، بل تحمل في عمقها رؤية سياسية وتنموية تعتبر أن بناء المستقبل يحتاج قبل كل شيء إلى مجتمع يؤمن بقدرته على الإنجاز، وإلى مؤسسات تحظى بالثقة، وإلى مناخ عام يسمح بتعبئة الطاقات الوطنية بدل استنزافها في التشكيك وفقدان الأمل.
فالتجارب الدولية تؤكد أن الدول التي نجحت في تحقيق التحولات الكبرى لم تكن فقط تلك التي توفرت على الموارد والإمكانات، وإنما تلك التي استطاعت بناء مناخ من الاستقرار والثقة، لأن الاستثمار يحتاج إلى وضوح الرؤية، والمواطن يحتاج إلى الشعور بالأمان، والمؤسسات تحتاج إلى بيئة تسمح لها بالعمل والاستمرار. ومن هنا جاء تأكيد الخطاب الملكي على أن الاستقرار السياسي والمؤسساتي الذي ينعم به المغرب يشكل رأسماله الاستراتيجي الأهم في محيط إقليمي ودولي مليء بالاضطرابات.
إن قيمة الاستقرار في الحالة المغربية لا تختزل في غياب الأزمات، بل تتجاوز ذلك إلى القدرة على تدبير التحولات الكبرى بهدوء وتدرج، والحفاظ على استمرارية الدولة ومؤسساتها، وضمان انخراط مختلف الفاعلين في مشروع وطني موحد. ولذلك فإن الخطاب الملكي قدم الاستقرار باعتباره شرطا سابقا على التنمية، وعنصرا أساسيا لجذب الاستثمار، وتعزيز الثقة الدولية في المغرب كشريك موثوق وقادر على الوفاء بالتزاماته.
فلسفة الحكم: التراكم وبناء المستقبل
من الأفكار المركزية التي حملها الخطاب الملكي التأكيد على أن ما تحقق خلال السنوات الماضية لم يكن وليد الصدفة أو نتيجة ظرفية عابرة، وإنما كان ثمرة رؤية استراتيجية واضحة تقوم على التخطيط بعيد المدى، والمبادرة، والمتابعة، والقدرة على مراجعة الاختيارات وتصحيح المسار عند الحاجة. وهذه الفكرة تعكس فلسفة في تدبير الشأن العام تقوم على مبدأ التراكم، حيث لا يتم بناء الدولة عبر القرارات المنفصلة أو المشاريع المعزولة، وإنما عبر مسار متواصل تتكامل فيه الإصلاحات وتتراكم فيه الخبرات.
لقد قدم الخطاب قراءة لمسار المغرب باعتباره مسارا متدرجا انتقل من مرحلة بناء البنيات الأساسية إلى مرحلة تعزيز القدرات الإنتاجية والتكنولوجية. فالمشاريع الكبرى التي عرفتها المملكة خلال العقود الماضية، سواء تعلق الأمر بالبنية التحتية أو الطاقات المتجددة أو الصناعة أو الحماية الاجتماعية، لم تكن مجرد أوراش منفصلة، وإنما حلقات ضمن رؤية تهدف إلى تغيير موقع المغرب في محيطه الإقليمي والدولي.
وفي هذا السياق، شدد الخطاب على أن المكتسبات الوطنية تتجاوز الزمن الحكومي والبرلماني، لأنها نتيجة تراكمات متواصلة شاركت فيها مختلف مؤسسات الدولة والفاعلون الاقتصاديون والاجتماعيون. وهذه الرسالة تحمل دلالة مهمة، مفادها أن التنمية الوطنية ليست رهينة بتغير الحكومات، وإنما هي مشروع دولة يحتاج إلى الاستمرارية والانسجام بين مختلف الفاعلين.
* يتبع في الجزء الثاني: التحول الصناعي، السيادة الوطنية، الهيدروجين الأخضر، التنمية الاجتماعية، رسالة الانتخابات المقبلة، والخلاصة الاستراتيجية للخطاب.