أخبار المغرب

بوجدور: بين مطرقة القانون ومخالب التهريب، حين تضيق العدالة الخناق على لوبيات العبث بقوت الفقراء

الجريدة العربية -مكتب الرباط

في تطور لافت يعكس يقظة مؤسسات الدولة، عادت قضية تهريب المواد المدعمة بمدينة بوجدور إلى واجهة النقاش العمومي، بعد العملية النوعية التي باشرتها المصالح الأمنية، والتي أسفرت عن حجز سيارة محملة بمواد غذائية مدعمة كانت في طريقها إلى قنوات غير قانونية. خطوة اعتبرها متتبعون بداية تفكيك أول خيط في شبكة طالما اشتغلت في الظل، مستفيدة من ثغرات التتبع وضعف الرقابة.

وكانت الجريدة العربية سباقة إلى اقتحام هذا الملف الملغوم، الذي ظل لسنوات طي التكتم رغم ما أثاره من جدل واسع وما أساله من مداد، واضعة يدها على مكامن الخلل دون مواربة أو مجاملة، ومحيطة بكافة خيوطه وتشعباته بكل جرأة ومسؤولية.


ويأتي هذا التحرك امتدادا طبيعيا لما نشرته الجريدة العربية في سلسلة حلقات استقصائية حول الموضوع، كان آخرها مقال بعنوان: بوجدور: ملف تموين مخيمات الوحدة.. فساد مستمر يعكر صفو العدالة ويهدد الاستقرار الاجتماعي”، وهو تحقيق دقيق كشف بالأدلة والمعطيات حجم الاختلالات التي تشوب مسار توزيع حصص التموين الموجهة لساكنة مخيمات الوحدة، مسلطا الضوء على ممارسات تطرح علامات استفهام كبرى حول الشفافية ونزاهة التدبير، وتنذر بتداعيات اجتماعية مقلقة إن استمر الوضع على ما هو عليه.

وللإشارة، فإن لوبيات التموين لم تكتف بمحاولات الالتفاف على مساطر المراقبة، بل لجأت أيضا إلى أساليب تضليل الرأي العام عبر مراسلات وبلاغات تحاول تزوير الحقائق وقلب المعطيات، في مسعى يائس لتبرئة أنشطة تحوم حولها شبهات قوية. الرسالة الأخيرة التي تم الترويج لها اعتبرها كثير من المتتبعين بمثابة آخر مسمار في نعش المهربين، إذ كشفت حجم الارتباك والتخبط داخل هذه الشبكات، وأكدت أن محاولات الاحتماء بشعارات اجتماعية لم تعد تنطلي على أحد.

فحتى شهر رمضان، بما يحمله من قدسية وروح تضامن، لم يسلم من حيلهم ومكائدهم، غير أن وعي الساكنة ويقظة السلطات جعلا من هذه المناورات دليلا إضافيا على أن زمن الإفلات من المحاسبة يقترب من نهايته، وأن حماية قوت الفقراء ستظل أولوية لا تقبل المساومة.

لكن ما كشفته المعطيات المتداولة يؤكد أن لوبيات التموين لم تشبع بعد. فمنذ سنة 1997، تشير مصادر محلية إلى استمرار نزيف حصص موجهة أساسا لساكنة مخيمات الوحدة، قبل أن تجد طريقها إلى مسارات تجارية مريبة، تستعمل فيها واجهات نقل وتخزين لإعادة بيعها بأثمان تفوق قيمتها الحقيقية مرات عدة.

فعقب العملية الأمنية، تحركت بعض الأطراف في محاولة لخلق حالة ضغط، سواء عبر مراسلات موجهة إلى الجهات المعنية أو من خلال تنظيم وقفة احتجاجية أمام المحكمة الابتدائية ببوجدور، معتبرين أن المواد المحجوزة تدخل في إطار “حصص تموين حرة التصرف”.

غير أن هذا الطرح يثير أكثر من علامة استفهام. فحتى لو تعلق الأمر بحصص موجهة لفئة معينة، فإن تحويلها إلى نشاط تجاري منظم خارج الضوابط القانونية يظل خاضعا للمساءلة. الحق لا يستعمل ذريعة لتمرير الباطل، ولا يمكن تبرير اختلالات تمس الأمن الغذائي المحلي بمبررات واهية لا تصمد أمام منطق القانون.

إن محاولة تصوير تدخل السلطات على أنه تضييق غير مبرر، فيه مغالطة واضحة. فالسلطات، وعلى رأسها السيد وكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية ببوجدور، تتحرك في إطار اختصاصاتها القانونية، حمايةً للمال العام وصونا لمنظومة الدعم الاجتماعي من العبث.

المعطيات التي حصلت عليها الجريدة العربية تتحدث عن شبكة تتقاسم فيها الأدوار بين وسطاء وناقلين ومخزنين، تستفيد من إعادة توجيه المواد نحو أسواق أخرى، بما فيها مدن شمال المملكة. وفي المقابل، تعاني الأسر محدودة الدخل من ندرة بعض المواد الأساسية وارتفاع أسعارها، ما يجعل أي تسريب إضافي بمثابة ضغط مباشر على موائد البسطاء.

الأخطر من ذلك أن استمرار هذا النزيف يغذي شبهات تبييض أموال وتضخم غير مبرر في العقارات والحسابات، وهو ما يستدعي تعميق البحث وترتيب المسؤوليات، لأن الأمر لم يعد مجرد مخالفة عابرة، بل منظومة متكاملة تستنزف موارد موجهة أساسا للفئات الأكثر هشاشة.

في خضم هذا الجدل، يبقى الثابت أن دولة المؤسسات لا يمكن أن تخضع للابتزاز أو الضغط. التضييق على شبكات التهريب ليس استهدافا لفئة اجتماعية، بل حماية لها. وتشديد الخناق على مافيا التموين خطوة شجاعة تحسب للسلطات المحلية والأمنية والقضائية، التي أبانت عن حزم واضح في تطبيق القانون دون تمييز.

إن ساكنة بوجدور، وهي تعيش على نفحات شهر رمضان الفضيل، تنتظر أن تصل حصص الدعم إلى مستحقيها كاملة غير منقوصة، بعيدا عن حسابات الربح السريع. فالمواد المدعمة أمانة، ومن يعبث بها يعبث باستقرار مجتمع بأكمله.

زر الذهاب إلى الأعلى