اقتصاد

الفلاحة المغربية.. صادرات تتصاعد بقوة، لكن ماذا عن السوق الداخلية؟

الجريدة العربية

تعكس الأرقام الأخيرة الحضور المتنامي للمغرب في الأسواق الدولية للمنتجات الفلاحية، خصوصاً في أوروبا، حيث يواصل المغرب توسيع صادراته من الفلفل الحلو والتوت الأحمر والتوت الأزرق.

وبفضل عرض تنافسي، وشبكات لوجستية ملائمة، وقدرة متزايدة على تلبية الطلب الأوروبي خلال الفترات التي يتراجع فيها الإنتاج المحلي بالقارة، تمكنت المنتجات الفلاحية المغربية من تعزيز موقعها في عدد من الأسواق.

غير أن هذا النجاح يطرح سؤالاً موازياً لا يقل أهمية: ما أثر هذا التوجه التصديري المتنامي على المستهلك المغربي والسوق الوطنية؟

الفلفل المغربي يحقق قفزة في السوق البريطانية

بين أكتوبر 2025 ويونيو 2026، استوردت المملكة المتحدة نحو 10,400 طن من الفلفل الحلو المغربي، بقيمة تجاوزت 17 مليون جنيه إسترليني، وفق أحدث البيانات التي نقلتها منصة EastFruit.

وسجلت هذه الكميات ارتفاعاً بنسبة 60 في المائة على أساس سنوي، فيما اقتربت من ثلاثة أضعاف الكميات المسجلة خلال موسم 2023-2024.

وتشير المعطيات نفسها إلى أن الفلفل الحلو المغربي أصبح متاحاً في السوق البريطانية تقريباً على مدار السنة، مع تركّز فترة التصدير الرئيسية بين أكتوبر وماي.

وللموسم التجاري الثالث على التوالي، سجل المغرب أحد أسرع معدلات النمو بين موردي الفلفل الحلو إلى السوق البريطانية.

وتتوقع المنصة المتخصصة، في حال استمرار هذا المنحى، أن تتجاوز صادرات الفلفل المغربي نظيرتها الألمانية ابتداءً من الموسم التجاري 2026-2027، في وقت قد تواصل فيه فرنسا فقدان جزء من حصتها السوقية.

الفواكه الحمراء تعزز الحضور المغربي

وتبدو القفزة أكثر وضوحاً في قطاع الفواكه الحمراء.

فبين يوليوز 2025 ويونيو 2026، بلغت واردات بريطانيا من التوت الأحمر المغربي نحو 18,400 طن، بقيمة تجاوزت 132.7 مليون جنيه إسترليني.

ويستحوذ المغرب على 62.9 في المائة من واردات السوق البريطانية من هذه الفاكهة، ليحافظ بذلك على موقعه كأول مورد منذ موسم 2022-2023.

ولم يقتصر الأداء القوي على السوق البريطانية، إذ سجلت صادرات التوت الأزرق المغربي إلى فنلندا بدورها ارتفاعاً لافتاً، بعدما بلغت 657 طناً خلال الموسم نفسه، بقيمة تجاوزت 6 ملايين يورو.

ووفق EastFruit، فإن هذه الكمية تفوق بـ7.5 مرات إجمالي الشحنات المغربية إلى فنلندا خلال السنوات الخمس السابقة، كما تتجاوز بـ12.5 مرة الرقم القياسي السابق المسجل خلال الموسم التجاري 2017-2018.

وبذلك أصبح المغرب ثاني أكبر مورد للتوت الأزرق إلى السوق الفنلندية، بحصة سوقية بلغت 16.2 في المائة.

نجاح التصدير يعيد تشكيل النموذج الفلاحي المغربي

خلف هذه الأرقام، تبرز عملية تحول تدريجي في النموذج الفلاحي المغربي، مع اندماج أكبر للقطاع في سلاسل التوريد الأوروبية.

ويعكس هذا النجاح قدرة المغرب على توفير منتجات بمواصفات تنافسية، والاستفادة من موقعه الجغرافي وظروفه المناخية، فضلاً عن امتلاكه منظومة لوجستية تسمح له بتلبية الطلب الخارجي خلال الفترات التي يتراجع فيها الإنتاج الأوروبي.

لكن هذا الاندماج المتزايد في الأسواق الخارجية يعيد إلى الواجهة النقاش حول التوازن بين التصدير وتلبية حاجيات السوق الوطنية.

المستهلك المغربي في قلب النقاش

على مستوى السوق الداخلية، أظهرت أحدث مذكرة إخبارية للمندوبية السامية للتخطيط بشأن مؤشر أسعار المستهلك لشهر يوليوز 2026، والصادرة في غشت الماضي، أن انخفاض أسعار المنتجات الغذائية بين يونيو ويوليوز شمل أساساً الخضر بنسبة 7.6 في المائة، والفواكه بنسبة 3.7 في المائة.

وجاء ذلك في سياق تراجع مؤشر أسعار المستهلك بنسبة 1 في المائة، نتيجة انخفاض مؤشر المنتجات الغذائية بنسبة 1.9 في المائة، والمنتجات غير الغذائية بنسبة 0.3 في المائة.

غير أن السؤال الذي يظل مطروحاً هو ما إذا كان الأداء القوي للصادرات الفلاحية يمكن أن يتحول إلى مكاسب ملموسة بالنسبة إلى المستهلك المغربي.

خراطي: المغرب يعيش فعلاً “فلاحة بسرعتين”

ولفهم انعكاسات الصادرات على السوق الوطنية، نقل المصدر تصريحاً حصرياً عن بوعزة خراطي، رئيس الجامعة المغربية لحقوق المستهلك، اعتبر فيه أن واقع “المغرب بسرعتين” الذي تحدث عنه الملك محمد السادس أصبح واضحاً في القطاع الفلاحي.

وأوضح خراطي أن الجهود المبذولة في إطار مخطط المغرب الأخضر كانت تهدف، حسب تقديره، إلى تعزيز تصدير المنتجات الفلاحية، خصوصاً المنتجات التي يطلبها السوق الأوروبية، وفي مقدمتها الفواكه الحمراء والخضر ذات الجودة العالية.

ويرى المتحدث أن المغرب يفترض أن يستفيد، على الأقل، من توازن مالي بين الواردات والصادرات، غير أن الواقع، بحسبه، لا يعكس دائماً هذا التوازن.

وقال إن أثر الصادرات موجود، لكنه “غير كافٍ لجعل الميزان يميل لصالحنا”، مشيراً إلى أن المنتجات الموجهة للتصدير نادراً ما تعود إلى السوق المحلية، إلا في حالات رفضها أو عندما تصبح عملية تصديرها غير مجدية بسبب تراجع الأسعار أو الطلب في الأسواق الخارجية.

بين عائدات العملة الصعبة وحماية السوق الوطنية

ويعتبر خراطي أن تنامي الصادرات، خصوصاً نحو الأسواق الأوروبية والإفريقية، قد يؤدي إلى تقليص حصة العرض المخصصة للسوق الداخلية، وهو ما يمكن أن يزيد، في بعض الحالات، من الضغوط على الأسعار.

ويشدد، في المقابل، على ضرورة تحقيق توازن بين العائدات التي توفرها الصادرات وبين حماية مصالح السوق الوطنية والمستهلك المغربي.

وأكد أن الصادرات “ضرورية لكل دخول للعملة الصعبة”، لكنه شدد على أنها لا ينبغي أن تصل إلى مستوى “خلق أزمات في السوق الوطنية”.

ويرى رئيس الجامعة المغربية لحقوق المستهلك أن تحقيق هذا التوازن يحتاج إلى تدخل جهة تنظيمية فعالة، معتبراً أن هذه الوظيفة التنظيمية “غائبة”، وهو ما يترك تدبير العلاقة بين التصدير والسوق الداخلية للمنتجين والقطاع الوصي، بما قد يؤدي، حسب تقديره، إلى تغليب المصالح الخاصة.

التحدي المقبل.. نجاح خارجي لا يأتي على حساب الداخل

أصبح التحدي المطروح أمام الفلاحة المغربية اليوم أكثر تعقيداً من مجرد زيادة حجم الصادرات.

فالمطلوب هو الحفاظ على الدينامية التي حققها المغرب في الأسواق الدولية، مع ضمان توفير عرض كافٍ ومتاح بأسعار مناسبة للمستهلك داخل السوق الوطنية.

وبالتالي، فإن المعادلة لا ينبغي أن تقوم على الاختيار بين التصدير والاستهلاك الداخلي، بل على البحث عن صيغة تجعل من قوة القطاع الفلاحي المغربي رافعة يستفيد منها الطرفان.

فنجاح المغرب في تصدير منتجاته وتحقيق مواقع متقدمة في الأسواق الأوروبية يمثل مكسباً اقتصادياً مهماً، لكن القيمة الحقيقية لهذا النجاح تكتمل عندما ينعكس أيضاً على الأمن الغذائي، واستقرار الأسعار، وتحسين القدرة الشرائية للمستهلك المغربي.

زر الذهاب إلى الأعلى