أخبار المغرب

السدود في المغرب: نهاية مرحلة الجفاف ويقظة مطلوبة أمام مخاطر الفيضانات

الجريدة العربية

يدخل المغرب سنة 2026 بمعطيات مائية مغايرة لما عاشه خلال السنوات السبع الماضية، بعدما مكنت التساقطات المطرية المهمة من تحسين وضعية الموارد المائية ورفع نسب ملء السدود بشكل ملموس. غير أن هذا التحسن، الذي يمثل انفراجًا حقيقيًا بعد فترة طويلة من الجفاف، ترافق في بعض المناطق مع مخاطر فيضانات كشفت هشاشة عدد من المجالات الترابية أمام التقلبات المناخية الحادة.

بحسب معطيات رسمية قدمها وزير التجهيز والماء نزار بركة، فإن المغرب تجاوز فعليًا مرحلة الجفاف الممتد، مستفيدًا من السياسة الاستباقية في مجال بناء السدود التي أرسى دعائمها الراحل الملك الحسن الثاني طيب الله تراه منذ أواخر ستينيات القرن الماضي. ويضم المغرب اليوم 156 سدًا كبيرًا بطاقة تخزينية تفوق 20,8 مليار متر مكعب، إضافة إلى 16 سدًا آخر في طور الإنجاز، ما يعكس خيارًا استراتيجيًا طويل الأمد لضمان الأمن المائي.

ووفق منصة “ماء ديالنا” التابعة لوزارة التجهيز والماء، بلغ معدل الملء الإجمالي للسدود حوالي 61,2%، بما يعادل أزيد من 10,2 مليارات متر مكعب. وتُظهر الأرقام تباينًا بين الأحواض، حيث سجل حوض أبي رقراق نسبة ملء تجاوزت 93%، يليه تانسيفت، ثم سبو واللوكوس، في حين ظلت النسب أقل نسبيًا في أحواض أم الربيع ودرعة–واد نون. هذا التحسن أعاد الأمل للقطاعات الفلاحية والمائية، لكنه في الوقت ذاته طرح تحديات جديدة مرتبطة بتدبير الفائض المائي.

وتجسد مدينة القصر الكبير هذه المفارقة بوضوح. فقد أدى الارتفاع السريع في منسوب وادي اللوكوس، إلى جانب تساقطات تجاوز مجموعها 600 ملم منذ بداية الموسم، إلى وضع ميداني حرج، زاد من تعقيده امتلاء سد وادي المخازن عن آخره، ما استدعى القيام بتصريفات مائية مضبوطة رفعت الضغط على المناطق المجاورة للوادي. وأمام هذا الوضع، أطلقت السلطات المحلية والمركزية عمليات تعبئة واسعة شملت الوقاية، والإجلاء، وتقديم المساعدات، تنفيذًا للتعليمات السامية للملك محمد السادس حفظه الله .

وشملت هذه التدخلات إجلاء آلاف السكان من الأحياء المهددة نحو مراكز إيواء مؤمنة، بدعم من القوات المسلحة الملكية ومختلف المصالح المدنية. كما جرى اتخاذ إجراءات وقائية إضافية، من بينها إقامة حواجز مؤقتة، وتعزيز عمليات الضخ، وتنقية المجاري المائية، إضافة إلى إغلاق مؤقت لبعض المحاور الطرقية حفاظًا على سلامة المواطنين.

وفي سياق مماثل، عرفت مناطق من إقليم سيدي قاسم ارتفاعًا مقلقًا في منسوب وادي سبو، ما دفع السلطات إلى اعتماد مقاربة استباقية عبر إجلاء عدد من الأسر القاطنة بالدواوير القريبة من مجرى الوادي، وتأمين إيوائها وتوفير الرعاية الصحية والاجتماعية اللازمة لها، في إطار تنسيق محكم بين مختلف المتدخلين.

كما شملت التدابير الاحترازية تعليق الدراسة مؤقتًا في عدد من الأقاليم الشمالية والجبلية، وتعويضها بالتعليم عن بعد، تفاديًا لأي مخاطر محتملة على التلاميذ، إلى حين تحسن الأحوال الجوية.

تكشف هذه التطورات أن المغرب يقف اليوم عند مفترق طرق مناخي: تحسن ملحوظ في الوضعية المائية من جهة، وتصاعد مخاطر الفيضانات من جهة أخرى. وهو ما يفرض تعزيز سياسات التكيف، وتطوير أنظمة الإنذار المبكر، وتسريع إعداد خرائط المخاطر، حتى يتحول الفائض المائي إلى رافعة للتنمية المستدامة بدل أن يصبح مصدر تهديد للأرواح والممتلكات.

زر الذهاب إلى الأعلى