الأرض على حافة الإفلاس المائي: حينما تصبح المياه العذبة عملة نادرة
الجريدة العربية
المياه العذبة، التي لطالما اعتبرها الإنسان مورداً متجدداً، تتحول اليوم إلى ثروة مهددة بالانقراض. دراسة حديثة نشرتها مجلة “Science Advances” خلصت إلى أن الكوكب يعيش حالة استنزاف مروّع لموارده المائية، حتى بات الحديث عن «إفلاس مائي» حقيقة علمية أكثر من كونه مجازاً. الأرقام صادمة: منذ عام 2002، تتوسع المناطق الجافة سنوياً بمساحة تقارب 831 ألف كيلومتر مربع، أي ما يعادل ضعف ولاية كاليفورنيا الأميركية. ورغم أن بعض المناطق الرطبة ازدادت رطوبة، فإن هذا لا يعوّض الخلل الذي ضرب دورة المياه الطبيعية على الأرض.
الأخطر أن 68% من هذا الاستنزاف يعود إلى تراجع المخزون الجوفي، أي ذلك “الصندوق السري” الذي لطالما اعتُبر الملاذ الأخير للبشرية في أوقات الجفاف. غير أن الإنسان تعامل معه كرصيد بلا نهاية، فاستنزفه بلا حساب، خاصة في الزراعة الكثيفة التي تلتهم وحدها معظم المياه الجوفية. ومع تسارع التغيرات المناخية وارتفاع حرارة الكوكب، يتضاعف الضغط على هذه الموارد في وقت غير مسبوق.
الإنسان في قفص الاتهام
كل المؤشرات العلمية تُجمع على أن المسؤولية الأولى تقع على عاتق البشر. فمن جهة، تسببت الانبعاثات الغازية في رفع حرارة الغلاف الجوي، فاختلّ توازن الأمطار وتزايدت موجات الجفاف والفيضانات. ومن جهة أخرى، حوّل الاستغلال المفرط للزراعة والصناعة المياه الجوفية إلى مورد يُستنزف بسرعة أكبر مما يمكن للطبيعة تجديده.
تداعيات هذه الأزمة تتجاوز مجرد العطش. إنها تهدد مباشرة الأمن الغذائي، إذ يؤدي جفاف الأنهار والآبار إلى انهيار الإنتاج الزراعي وانكماش سلاسل التوريد. كما أن نزاعات مقبلة على الموارد المائية تلوح في الأفق، خاصة في المناطق المصنفة “نقاطاً ساخنة” مثل شمال إفريقيا، آسيا الوسطى، الهند، الصين الشمالية، أوروبا الغربية، وأميركا الشمالية. حتى مناطق غنية بالمياه تاريخياً، مثل كندا وروسيا، لم تعد بمنأى عن هذا التراجع المتسارع.
الجانب الأكثر إثارة للقلق يتمثل في أن استنزاف المياه الجوفية أصبح اليوم من العوامل المؤثرة في ارتفاع مستوى البحار، متجاوزاً في بعض الحالات تأثير ذوبان الأنهار الجليدية. بمعنى أن الأزمة لم تعد محلية أو إقليمية، بل تحولت إلى معضلة كوكبية تعيد رسم التوازن المائي العالمي.
العلماء يحذرون من أن العالم يعيش على “حساب جارٍ” سرعان ما ينفد رصيده. البروفيسور هريشيكيش أرڤيند تشاندانبوركار شبّه المياه الجوفية بـ”صندوق استثماري” مخصص للأجيال، لكن البشرية تتعامل معه وكأنه مورد يومي غير محدود. ومع توقع ارتفاع عدد سكان الأرض إلى ما يفوق تسعة مليارات نسمة خلال العقود القادمة، يصبح السؤال الملح: كيف سيوفَّر الماء للأجيال المقبلة إذا استمر هذا النزيف؟
اليوم، يعيش ثلاثة أرباع سكان العالم في دول سجلت تراجعاً في مواردها المائية خلال العقدين الماضيين. والأمر لم يعد يحتمل التأجيل. الخبراء يطالبون بقرارات جذرية: إصلاح سياسات الزراعة، اعتماد استراتيجيات استخدام رشيد للمياه، تقليص الانبعاثات الكربونية، وتعاون دولي يضع الأمن المائي في صلب الأجندة العالمية.
يبدو أن الأرض تسير بخطى ثابتة نحو إفلاس مائي غير مسبوق. البحار ترتفع، والمياه العذبة تتناقص، والمجتمعات الأكثر هشاشة تقف في مواجهة الخطر أولاً. إن لم يتحرك العالم سريعاً، قد تجد الأجيال القادمة نفسها أمام مشهد مأساوي: وفرة من المياه المالحة تغمر السواحل، في وقت تغدو فيه شربة الماء العذب أغلى من النفط والذهب.