
إلى مغاربة الأحزاب الإيطالية: كونوا حيث أنتم ، ولكن لا تنسوا من أنتم!!
الجريدة العربية – ذ. يونس مشاوي *
قد نختلف في اختياراتنا السياسية، وقد ننتمي إلى أحزاب مختلفة، وقد نعيش خارج الوطن سنوات طويلة ، لكن هناك أشياء لا ينبغي أن نختلف حولها:
من نحن؟ ومن أين جئنا؟ وما الذي نحمله معنا أينما ذهبنا.
إلى متى سنظل نطلب من المغربي أن يكون حاضرا في السياسة الإيطالية ، غائبا عن قضية وطنه؟
في الوقت الذي انشغلت فيه الجالية المغربية المقيمة بإيطاليا بقضية المرحوم عبد الرحيم فقير، وهي قضية إنسانية وقضائية تستحق كل الاهتمام والمتابعة والمطالبة بكشف الحقيقة، خرجت قيادة الحزب الديمقراطي الإيطالي بموقف من قضية الصحراء المغربية، موقف لا يمكن للمغاربة، ولا سيما المنخرطين داخل الحزب، أن يتعاملوا معه وكأنه لم يكن.
وهنا لا بد من طرح السؤال بصراحة، وبلا مجاملات:
أين أنتم؟
أين هم الأطر المغاربة داخل الحزب؟
أين هم المناضلون والمناضلات؟
أين هم المنتخبون؟
أين هم أعضاء المجالس والهيئات واللجان؟
أين هم أولئك الذين يطلبون من أبناء الجالية المغربية الانخراط في الحياة السياسية الإيطالية، والمشاركة، والتصويت، والحضور، والعمل من أجل الحزب؟
هل المطلوب منكم أن تكونوا حاضرين فقط عندما يحتاج الحزب إلى أصواتكم؟
هل المطلوب أن تكونوا في الصفوف الأولى عندما يتعلق الأمر بالحملات الانتخابية، وبالتعبئة، وباستقطاب الناخبين، ثم تتحولوا إلى صامتين عندما يتعلق الأمر بقضية وطنية تمس عمق هويتكم وذاكرتكم وانتماءكم؟
هل أصبح الانخراط في الحزب الديمقراطي الإيطالي عقدا للصمت؟
هل أصبحت العضوية الحزبية تعني أن يضع المغربي وطنه عند باب الحزب، ثم يدخل؟
هل أصبح الحزب مقدسا إلى درجة لا يجوز معها النقد أو الاعتراض أو المساءلة؟
من قال إن المناضل الحقيقي هو الذي يصمت دائما؟
ومن قال إن الوفاء للحزب يعني التخلي عن الوطن؟
ومن قال إن الدفاع عن الصحراء المغربية يتعارض مع الانتماء السياسي إلى حزب إيطالي؟
بل على العكس تماما.
المناضل الحقيقي هو الذي يملك الشجاعة ليقول داخل حزبه: هنا أختلف معكم.
والمناضل الحقيقي هو الذي لا يتحول إلى مجرد آلة انتخابية.
والمناضل الحقيقي هو الذي لا يكتفي بأن يكون رقما في لوائح المنخرطين، أو وجها مغربيا يُستدعى عندما يحتاج الحزب إلى أصوات الجالية.
أيها الإخوة والأخوات:
أنتم لستم مجرد أصوات انتخابية.
أنتم لستم مجرد أرقام.
أنتم لستم مجرد جسر للوصول إلى أصوات آلاف المغاربة.
أنتم مواطنون لكم حقوقكم السياسية، نعم.
لكنكم أيضا مغاربة.
ولكم تاريخ.
ولكم ذاكرة.
ولكم وطن.
ولكم أرض لا يمكن أن تصبح موضوعا للصمت فقط لأنكم اخترتم الانتماء إلى حزب سياسي.
لقد آن الأوان لكي نعيد تعريف معنى الانخراط السياسي.
الانخراط في حزب إيطالي لا يعني أن تتحول إلى شخص بلا ذاكرة.
ولا يعني أن تصبح نسخة حزبية بلا وطن.
ولا يعني أن تُطلب منك الطاعة العمياء.
ولا يعني أن تقبل كل موقف يصدر عن القيادة، حتى عندما يتعلق الأمر بقضية تمس المغرب في وحدته الترابية.
الحزب ليس وطنا.
والحزب ليس عائلة مقدسة.
والحزب ليس عقيدة لا تُناقش.
الحزب وسيلة للعمل السياسي.
أما الوطن، فهو شيء آخر.
الوطن هو الأرض التي خرج منها آباؤنا وأجدادنا.
الوطن هو الذاكرة التي نحملها معنا أينما ذهبنا.
الوطن هو اللغة والبيت والطفولة والقبور والراية والتاريخ.
والوطن، بالنسبة إلى المغربي، ليس شعارا موسميا يُرفع في المناسبات.
والصحراء المغربية ليست مجرد ملف سياسي.
ليست مجرد قضية يمكن أن يختلف حولها الناس كما يختلفون حول الضرائب أو التعليم أو الاقتصاد.
الصحراء المغربية قضية قلب قبل أن تكون قضية أرض.
قضية ذاكرة قبل أن تكون قضية حدود.
قضية كرامة قبل أن تكون قضية جغرافيا.
تلك الأرض لم تصل إلى المغرب بالصدفة.
ولم تُمنح له في هدية دبلوماسية.
ولم تُرسم حدودها في مكاتب الأحزاب الأوروبية.
لقد سُقيت بدماء الشهداء.
هناك مغاربة قاتلوا وماتوا وهم يؤمنون بأن المغرب واحد.
هناك آباء وأمهات فقدوا أبناءهم دفاعا عن هذه الأرض.
هناك أجيال كاملة حملت جراح هذه القضية.
هناك تاريخ لا يمكن أن تمحوه جملة سياسية، ولا موقف حزبي، ولا حساب انتخابي.
فهل يُطلب من المغربي أن يصفق للحزب عندما يحتاجه، ثم يصمت عندما يُمس وطنه؟
لا.
نحن لا نطالب المغاربة داخل الحزب الديمقراطي بأن يتركوا الحزب.
ولا نطالبهم بأن يتخلوا عن قناعاتهم السياسية.
ولا نطالبهم بأن يتحولوا إلى خصوم لإيطاليا أو للشعب الإيطالي.
ولا ندعو إلى الكراهية أو إلى الفوضى.
لكننا نقول شيئا بسيطا وواضحا:
كونوا داخل الحزب، ولكن لا تكونوا بلا صوت.
كونوا مناضلين، لا تابعين.
كونوا مؤثرين، لا مجرد واجهة.
كونوا شركاء في القرار، لا مجرد وسيلة للوصول إلى القرار.
وعندما يتعلق الأمر بالصحراء المغربية، فليكن لديكم ما تقولونه.
قولوا إنكم مغاربة.
قولوا إن لكم موقفا.
قولوا إنكم لا تقبلون أن تُختزل قضية وطنكم في حسابات سياسية عابرة.
قولوا إن احترامكم لحزبكم لا يعني تخليكم عن وطنكم.
وإذا كانت قيادة الحزب تملك الحق في اتخاذ موقفها، فإنكم تملكون الحق أيضا في رفض هذا الموقف، وانتقاده، ومواجهته سياسيا من داخل المؤسسات التي اخترتم الانتماء إليها.
وهنا أوجه كلامي بشكل خاص إلى أولئك الذين يغضبون عندما نقول للمغاربة:
لا تكتفوا بالانخراط في حزب واحد.
لماذا يغضب البعض من هذه الدعوة؟
هل أصبح من المحرم على المغربي أن تكون له خيارات سياسية متعددة؟
هل أصبح من الممنوع أن نقول إن الجالية المغربية يجب أن تكون حاضرة في كل الأحزاب والمؤسسات والتيارات السياسية؟
هل نريد للمغربي أن يبقى محصورا في حزب واحد، ثم نطلب منه بعد ذلك أن يكون مؤثرا في القرار الإيطالي؟
التأثير لا يأتي من الولاء الأعمى.
التأثير يأتي من الحضور.
من التعدد.
من الكفاءة.
من العمل.
من القدرة على الحوار.
ومن امتلاك الشجاعة السياسية.
وإذا كان المغربي موجودا داخل حزب واحد فقط، ثم قيل له: لا تنتقد، لا تعترض، لا تتحرك، لا تؤثر، لا تفتح نقاشا ، فماذا تبقى من معنى وجوده السياسي؟
هل نحن في السياسة الإيطالية لنكون شركاء ، أم لنكون مجرد خزان انتخابي؟
هذا هو السؤال الحقيقي.
والذين يطلبون من المغاربة أن يصمتوا باسم الانتماء الحزبي، عليهم أن يفهموا أن الانتماء السياسي لا يلغي الانتماء الوطني.
وأن المغربي لا يحتاج إلى إذن من أحد لكي يدافع عن وطنه.
ولا يحتاج إلى رخصة حزبية لكي يقول إن الصحراء مغربية.
ولا يحتاج إلى موافقة أي قيادة سياسية لكي يشعر بالغيرة على تراب بلاده.
نحن أبناء أرض طيبة.
أرض صنعت رجالا.
أرض حملت تاريخا عميقا.
أرض دافع عنها الشهداء.
أرض ارتبط بها المغاربة من طنجة إلى الكويرة برباط لا تقطعه المسافات ولا الهجرة ولا الجنسية ولا السنوات التي نقضيها خارج الوطن.
قد نعيش في إيطاليا.
قد نعمل في إيطاليا.
قد نمارس السياسة في إيطاليا.
قد نحمل الجنسية الإيطالية.
لكن هذا كله لا يعني أننا أصبحنا بلا ذاكرة.
المغربي لا يخلع وطنه كما يخلع معطفا عند باب الحزب.
ولا يترك تاريخ بلاده عند مدخل المؤسسة.
ولا يتحول إلى شخص بلا جذور لأنه اختار أن يمارس السياسة في بلد آخر.
ولذلك، فإن الرسالة اليوم ليست إلى قيادة الحزب الديمقراطي فقط.
الرسالة قبل ذلك إلى المغاربة داخله:
ارفعوا رؤوسكم.
لا تخجلوا من مغربيتكم.
لا تخجلوا من الدفاع عن الصحراء المغربية.
لا تسمحوا لأحد بأن يقنعكم بأن حب الوطن عيب، أو أن الدفاع عن وحدته الترابية تطرف، أو أن الصمت هو الطريق الوحيد للحفاظ على موقعكم السياسي.
المغربي الذي يملك الشجاعة ليختلف مع حزبه عندما يتعلق الأمر بوطنه، ليس خائنا للحزب.
بل هو سياسي يحترم نفسه.
والمغربي الذي يرفض أن يكون مجرد صوت انتخابي، ليس ناكرا للجميل.
بل هو مواطن يعرف قيمة صوته.
والمغربي الذي يطالب حزبه باحترام قضية وطنه، لا يمارس التطرف.
بل يمارس حقه في التعبير والمساءلة.
لقد انتهى زمن أن نُستدعى فقط عند الانتخابات.
انتهى زمن أن نكون مغاربة عندما يحتاجون إلى أصواتنا، ثم يتحول انتماؤنا إلى وطننا إلى أمر مزعج عندما نطالب بموقف واضح من قضية الصحراء المغربية.
انتهى زمن أن نكون حاضرين في الصور، غائبين عن القرار.
انتهى زمن أن نكون أرقاما في لوائح العضوية، وأصواتا في صناديق الاقتراع، ثم لا يكون لنا رأي عندما تُناقش قضايا تمس وطننا.
نحن لسنا مجرد أصوات.
نحن مواطنون.
نحن فاعلون.
نحن أبناء وطن.
ونحن أصحاب قضية.
والذي يريد أصوات المغاربة، عليه أن يحترم أيضا مشاعرهم وذاكرتهم وانتماءهم.
والذي يريد من المغاربة أن يكونوا شركاء في السياسة، عليه أن يقبل أن يكونوا شركاء في النقاش.
والذي يريد منهم أن ينخرطوا، عليه أن يقبل أن ينخرطوا بكرامة، وبوعي، وبصوت مسموع.
أما أن يُقال للمغربي:
صوّت لنا، انخرط معنا، اعمل معنا، دافع عنا ، ولكن لا تتحدث عندما يتعلق الأمر بوطنك،
فهذه ليست شراكة.
هذا مجرد استعمال انتخابي.
ومن حق كل مغربي أن يرفض أن يكون مجرد أداة في يد أي حزب، أيا كان اسمه.
الوطن أولا.
ليس بمعنى إلغاء السياسة.
وليس بمعنى رفض الآخر.
ولكن بمعنى واضح لا يحتاج إلى تفسير:
لا حزب فوق الوطن.
ولا بطاقة عضوية أقوى من ذاكرة الشهداء.
ولا موقع سياسي يستحق أن نشتريه بثمن الصمت عن أرضنا.
ولا انتماء حزبي يمكن أن يجعل المغربي يتخلى عن مغربيته.
إلى كل مغربي داخل الحزب الديمقراطي الإيطالي:
لا نطلب منك أن تغادر حزبك.
نطلب منك فقط ألا تغادر وطنك.
لا نطلب منك أن تكره أحدا.
نطلب منك فقط ألا تصمت عندما يتعلق الأمر بكرامة بلدك.
لا نطلب منك أن تكون تابعا لأي جهة.
نطلب منك أن تكون حرا.
حر أن تقول:
أنا مغربي.
حر أن تقول:
الصحراء مغربية.
حر أن تقول:
أختلف مع حزبي عندما يتعلق الأمر بقضية وطني.
وحر أن تقول:
أنا لست مجرد صوت انتخابي.
فالوطن لا يطلب منا المستحيل.
لا يطلب منا أن نكره.
ولا يطلب منا أن نعتدي.
ولا يطلب منا أن نخرج عن القانون.
الوطن يطلب فقط ألا ننسى.
ألا ننسى الأرض.
ألا ننسى الشهداء.
ألا ننسى التاريخ.
وألا ننسى أننا، مهما ابتعدنا، ومهما اختلفنا سياسيا، ومهما تعددت انتماءاتنا الحزبية، فإن هناك أرضا ستظل تسكن فينا.
تلك الأرض التي لا تحتاج إلى جواز سفر كي تكون في قلوبنا.
تلك الأرض التي لا تحتاج إلى بطاقة حزبية كي ندافع عنها.
تلك الأرض التي سُقيت بدماء الشهداء، وستظل مغربية.
الصحراء مغربية وستظل مغربية.