
أية خطوة تحملها “مراقبة الدردشة”، هل تحمي الخصوصية ام تدمرها؟
الجريدة العربية – محمد حميمداني
يستعد “الاتحاد الأوروبي”، هذا الشهر. للقيام بخطوة مثيرة للجدل، قد تغير وجه الاتصالات الرقمية المعروفة. والامر يتعلق بمشروع “مراقبة الدردشة” (Chat Control). حيث أنها تتجاوز المظلة الأخلاقية المرفوعة لتمريرها.
فالخطوة التي يتم تمريرها تحت “شعار حماية الأطفال”، تهدد بقلب مفهوم الخصوصية الرقمية رأسا على عقب. وإرساء أساسيات مراقبة جماعية غير مسبوقة على اتصالات المواطنين. وهو ما يثير مخاوف جدية بشأن انتهاك الحريات الفردية.
المشروع، الذي يتم النظر إليه على أنه حامل ل”نوايا نبيلة”. يفرض على منصات التراسل والتخزين السحابي، مثل “واتساب” و”غوغل درايف”، مسح رسائل المستخدمين وصورهم ومقاطع الفيديو الخاصة بهم قبل إرسالها أو تحميلها.
عملية يطلق عليها اسم “المسح من جانب العميل” (client-side scanning). والتي تعني أن محتوى المستخدم سيتم فحصه على جهازه الخاص قبل تشفيره وإرساله.
وعلى الرغم من أن الهدف المعلن عنه هو “محاربة الجرائم المتعلقة بالاعتداء على الأطفال”. إلا أن النقاد يرون في سيفا ذا حدين. منبهين لتداعياتها الخطيرة. ضمنها فقدان التشفير، حيث سيمثل هذا الإجراء ضربة قاصمة لمبدأ التشفير من طرف إلى طرف، الذي يضمن سرية الاتصالات. كما أن المسح المسبق للمحتوى يجعل البيانات عرضة للمراقبة قبل أن تتحول إلى صيغة غير قابلة للقراءة.
كما أن هاته الخطوة ستفتح الباب على مصراعيه أمام المراقبة الجماعية، مثيرة تساؤلات عن الجهة التي ستقوم بالمسح؟ ومن سيصل إلى نتائج العملية؟. فاتحة الباب امام إمكانية وصول الحكومات أو أطراف ثالثة إلى هاته البيانات. الأمر الذي يعني مراقبة جماعية غير مسبوقة للمواطنين. وهو ما سيحول المجتمعات من حالة “الحرية” إلى حالة “التضييق والإذن المسبق”. حيث سيتم تركيز قاعدة جديدة مفادها “أن الكل مذنب حتى تثبت براءته”.
تجدر الإشارة إلى أن هذا النظام سيعتمد على الذكاء الاصطناعي، وهو ما يزيد من احتمالية حدوث أخطاء. كالإبلاغ عن عائلة ترسل صورا عائلية عادية على أنها ترتكب جريمة. مما قد يتسبب في صدمات نفسية وإجراءات قانونية غير مبررة.
إجراء قد يدفع بالمجرمين لاستخدام منصات بديلة أكثر سرية وغير خاضعة للتنظيم. وهو ما يجعل جهود المراقبة في المنصات الرئيسية غير فعالة. تمارس التضييق على الأبرياء فقط دون الجناة الفعليين.
المدافعون عن الخطوة رفعوا شعارا مركزيا مفاده: “إذا لم يكن لديك ما تخفيه، فلماذا تقلق؟”. وهو مفهوم خاطئ لأنه لا يميز بين “السرية” والخصوصية”. بحجة مكافحة انتشار مواد الاعتداء الجنسي على الأطفال. مؤكدين على أن التشفير من طرف إلى طرف يعتبر ملاذا آمنا للمجرمين، وأن هذا الإجراء ضروري لكسر هذه الحلقة.
وهنا لا بد من التنبيه إلى كون الخصوصية ليست مرادفا لإخفاء الأسرار، بل هي حق أساسي في الحفاظ على مساحة شخصية غير مرصودة. وهي أساس المجتمعات الحرة والديمقراطية.
تجدر الإشارة أيضا، أن هذا النظام ظل قيد النقاش منذ عام 2022. وهو يمثل تجولا كبيرا في العلاقة القائمة بين الفرد بالتقنية والدولة.
ويعمل النظام على مسح جميع الصور والرسائل ومقاطع الفيديو على جهاز المستخدم الشخصي، الهاتف أو الكمبيوتر. قبل أن يتم تشفيرها وإرسالها. ويتم ذلك من خلال استخدام خوارزميات الذكاء الاصطناعي لمقارنة المحتوى بقاعدة بيانات للمواد الضارة المعروفة. إذا تم رصد تطابق، يمكن الإبلاغ عنه إلى السلطات، حتى قبل أن يقرره أي إنسان.
ويستند الناقدون للخطوة للمادة 7 من ميثاق “الاتحاد الأوروبي للحقوق الأساسية” التي تحترم الحياة الخاصة والمراسلاته العائلية. والمادة 8 من ذات الميثاق: التي تحمي البيانات الشخصية. فضلا عن “القانون العام لحماية البيانات (GDPR)”: الذي يضع قيودا صارمة على معالجة البيانات الشخصية.
ويشكل المشروع الجديد تحديا مباشرا لهاته القوانين. وهو ما قد يدفع لمواجهة قضائية في “محكمة العدل الأوروبية”.
فالدفاع عن الخطة بالقول: “إذا لم يكن لديك ما تخفيه، فلماذا تقلق؟” لا يختلف عن القول “لا تهتم بحرية التعبير لأنه لا شيء يمكن أن تقوله”.
خطوة تضع الديمقراطيات الغربية عند مفترق طرق. فبينما لا يمكن إنكار ضرورة مكافحة الجرائم الجنسية ضد الأطفال بكل قوة. فإن اعتماد أدوات تقوض أسس الديمقراطية والأمان الرقمي هو حل يعالج المشكلة بخلق أخرى أكبر وأخطر. فمعركة “مراقبة الدردشة” هي في جوهرها معركة على روح العصر الرقمي. فهل سيكون عصرا للحرية والثقة، أم عصرا للاشتباه والمراقبة الدائمة؟. فالقرار الذي ستتخذه “بروكسل” قد يحدد الإجابة لعقود قادمة.