
أبوبيس… حين يسكن الشيطان طاطا: القناع الأول
الجريدة العربية – مكتب فرنسا
الحلقة الثانية
في هذه الحلقة الجديدة من حكاية «أبوبيس… حين يسكن الشيطان طاطا نغوص مع القارئ في أعماق الشخصية التي تتقن فن التخفي خلف الأقنعة، وتحول الخطاب الجميل إلى مفاتيح للهيمنة الصامتة. نرافق أبوبيس وهو يخطو أولى خطواته في عالم الكبار، حيث الكلمات أسلحة، والابتسامات شراك، والثقة سلعة تُباع وتُشترى في دهاليز النقابة والحزب والجمعيات.
وتذكيرا للقراء الأوفياء، فإنّ هذه السلسلة تنشر حلقاتها المشوّقة كل يوم ثلاثاء، مواصلةً الكشف عن أسرار أبوبيس ورحلته المظلمة نحو السيطرة والخطيئة.
حين دخل أبوبيس عالم الكبار، شعر وكأنه أمام مسرح ضخم، كل الناس فيه ممثلون، وكل كلمة تُقال مسرحية. كان يعلم أن من يسيطر على الخطاب يسيطر على الفعل، ومن يتحكم بالكلمات يملك قلوب الآخرين قبل عقولهم.
هكذا وضع قناعه الأول: وجه للآخرين، ووجه آخر لنفسه. في النقابة، أصبح الخطيب الذي يعرف كيف يثير الحماس، ويمدح الكرامة، ويعد بالعدل. في الحزب، كان المنظّر الذي يشرح القيم والمبادئ، وكأنه ناصح الشعوب الضائعة. وفي الجمعيات، تحول إلى المنسق الذي يوزع المبادرات ويظن الناس أنه محرك الخير. أما
في الفصول الدراسية، فكان الواعظ بالإخلاص والنزاهة، يسمع الطلاب كلامًا يرقّ لهم الروح، وكلماتهم تصفق له، دون أن يعرفوا أنه في داخله يحسب خطواته التالية، ويرسم خططه لمصلحته وحده.
كانت الخيانة الأولى الكبرى لا تظهر كجريمة صريحة، بل كخداع دقيق. أخذ أفكار الآخرين وأنسبها لنفسه، استخدم خطابات زملائه، اختطف المبادرات وقدّمها كما لو أنها ملكه. رأى الناس يصفقون، ويهتفون، وهو يبتسم بذكاء، كأنه يستمد القوة من تصفيقهم. لكن كل هذا لم يكن سوى اختبار لنفسه: هل يمكن أن يبدو دائمًا على حق؟ هل يمكن أن يحتل مركز المنقذ دون أن يكتشف أحد سره؟
كان الرقص على الحبال الدقيقة ممتعًا، لكنه خطير. أحيانًا تصادم قناع الحقيقة مع طموحه، وأحيانًا يكاد أحدهم يكتشف أنه لا يلتزم بالمبادئ التي يعلنها. حينها يتعلم فنون المناورة، ويضع ابتسامة أكثر إشراقًا، ويمحو أثر الشك في العيون المحيطة به.
في هذه المرحلة، بدأ الكثيرون يثقون به، يضعونه في مواقف القرار، يطلبون نصائحه، ويستشيرون رأيه. وما كان يُسعده أكثر من كل هذا هو أنه كان يرى وجوههم الحقيقية دون أن يروا وجهه الحقيقي. كان يراقبهم ويحسب خطواتهم، ويستمتع بشعور السيطرة الصامتة الذي يملأ قلبه.
لكن القناع لم يكن كاملاً إلا حين بدأ يمارس خيانة واضحة لأول مرة: زرع الخلاف بين صديق قديم وأحد أقربائه، بدافع الفضول والطموح، لا الانتقام. استعمل كلمات رقيقة، وابتسامات، وأدوات ذكية لإشعال فتيل النزاع، ورأى كيف تحول الصديق إلى خصم صغير لنفسه، وكيف تناثرت الثقة كما تتناثر أوراق الخريف.
لم يكتشف أحد أنه من حرّك الحبال، لكن قلبه تعلم الدرس: كل ابتسامة صادقة هي مجرد ورقة في يده، وكل ثقة يمكن أن تُستغل. في النقابة والحزب والجمعيات، أصبح يتمثل صورة الرجل المثالي، لكن داخله كان يزخر بخطط الطمع والتلاعب. كان يعلم أن المنابر أدوات، وأن السلطة الحقيقية تأتي لأولئك الذين يعرفون أن يبتسموا أمام الجميع ويغدروا في الخفاء.
وهكذا أصبح القناع الأول ليس مجرد واجهة، بل أسلوب حياة، وجسرًا لعبور الطموحات، وميدانًا لتجارب الخيانة الأولى على نطاق أوسع. وفي صمت غرفته، حين تُغلق الأبواب وتختفي الأضواء، كان يرى نفسه بلا قناع، يراقب الظلال التي خلقها، ويستمع لصدى خياناته الأولى يتردد في أركان عقله.
كانت متعة السيطرة تتناوب مع شعور غريب بالذنب، لكنه سريع الزوال. كان يعرف أنه أخطو خطوة إضافية على الطريق الطويل نحو ما سماه “النجاح”… وبدأ يحس أن العالم، بمظلوميته وعدله الظاهري، مجرد رقعة شطرنج كبيرة، وهو اللاعب الذي يحرّك القطع كيف يشاء.