ثقافة و فن

“لبنان، دولة في طور البقاء”… رواية وطنٍ لا يريد أن يموت قراءة سردية في كتابات “فؤاد الخوري حلو”

تحليل ومناقشة أدبية معمقة لقسم الأدب والفكر في الجريدة العربية

 

في كتابه الجديد «لبنان، دولة في طور البقاء»، يقدم الكاتب والصحفي اللبناني فؤاد الخوري حلو شهادة كثيفة، تنهل من معين السياسة دون أن تغرق في ترهلاتها، وتستنطق التاريخ دون أن تحني عنقه، وتحفر في ذاكرة وطنٍ يكتب سيرته من تحت الركام. الكتاب، الصادر عن دار Max Milo، لا ينتمي إلى خانة الكتابات الجاهزة حول لبنان، بل يميل إلى تشكيل أدب توثيقي مفعم بالشهادة، مسكون بالتأمل، ومنقوع بالوجدان.

فلبنان، كما يصوره الخوري حلو، ليس وطنًا عاديًا بل حالة وجودية: كيان يتأرجح بين اليأس والبقاء، بين الزوال الممكن والإصرار المستميت على الاستمرار. إنه بلد “فاشل” من منظور المؤسسات، لكنه “ناجح” من منظور الإصرار البشري على عدم الموت. هذه المفارقة – التي يصفها الكاتب بعبارته اللافتة: “أنجح دولة فاشلة في القرن الواحد والعشرين” – لا تسعى إلى السخرية بل إلى تسمية الأشياء بمسمياتها القاسية، بلا مجاز ولا تزييف. فالنجاة في لبنان لا تُقاس بمدى استقرار المؤسسات، بل بقدرة الناس على التأقلم مع الانهيار، وبالقوة الخفية التي تسمح لهذا الوطن المكسور أن يقاوم موته بصمت.

حين يتناول الكاتب اللبناني فؤاد الخوري حلو في كتابه الأخير “لبنان، دولة في طور البقاء” الشأن اللبناني، فهو لا يكتب تقريرًا سياسيًا ولا رواية تأريخية بالمعنى التقليدي، بل ينسج ما يمكن وصفه بـ البيوغرافيا المعقدة لوطنٍ يتنفس تحت الركام. وهذا التداخل بين السياسي، والتاريخي، والوجداني، هو ما يمنح العمل أفقًا أدبيًا فريدًا، ينتمي إلى ما يمكن تسميته بـ أدب الكارثة المستدامة.

في هذا العمل، تمتزج ملامح الرواية السياسية بالوثيقة التاريخية، ويبرز لبنان في صورة أشبه بـ”مختبر مفتوح” لتناقضات الشرق الأوسط: طوائف متناحرة، نخب مستهلكة، تدخلات خارجية، لاجئون بالملايين، وشعب يصرّ رغم كل شيء على الاحتفال بالحياة. الكتاب لا يكتب فقط عن لبنان بوصفه بلدًا جريحًا، بل عن الكرامة المهانة، والذاكرة المثقوبة، والانتماء الممزق، تلك العناصر التي تحكم وجود الإنسان العربي في محيط يعيد إنتاج الخراب بطرق متجددة.

ليس مفاجئًا أن يُخصّص جزء كبير من الكتاب لتتبع مسارات الهجرة والنزوح. فحين يهرب اللبناني من وطنه بحثًا عن الكرامة، يجد نفسه مشتبكًا مع صورة أخرى لهذا الوطن داخل ذاكرته. كما أن تدفق اللاجئين السوريين إلى لبنان جعل من هذا البلد الصغير حقل ضغط ديموغرافي وإنساني بالغ التعقيد، حتى باتت المخيمات وملامح الشتات جزءًا من المشهد اليومي. بهذا، يصبح لبنان لا مجرد وطن بل جغرافيا للمنفى، ومنفىً داخل الجغرافيا.

قوة هذا العمل تكمن في لغته قبل موضوعه. فالكاتب، بوصفه ابن المهنة الصحفية، يمتلك قدرة على التقاط المفارقات من داخل النسيج اليومي، لكنه، بوصفه مفكرًا، لا يرضى بالتسجيل بل يمضي في التحليل والاشتباك مع البنى العميقة للكارثة. لا يقدّم نصًا بكائياً، بل يقدم نصًا ناضجًا يعرف من أين يبدأ الحزن وأين يجب أن يتوقف التأمل. الكتاب لا ينتمي إلى منطق الشكوى ولا إلى سرديات الضحية، بل يعرض للمأساة اللبنانية بوصفها حالة ممتدة تتطلب مساءلة ثقافية وتاريخية لا بكاءً على الأطلال.

اللافت أيضًا أن الكتاب يأتي ثمرة حوار مفتوح مع الصحفي والمخرج كريستوف باراير، مما يضيف له طابعًا مركّبًا: فهو شهادة من الداخل، لكنه يتبادل أصواته مع عين خارجية، تقرأ لبنان من موقع آخر، دون أن تفقد تعاطفها أو حدتها. وهذه الثنائية بين الداخل والخارج، الذات والمرآة، تمنح الكتاب بعدًا تأمليًا مهمًا، يجعله يتجاوز كونه نصًا عن لبنان، إلى أن يكون نصًا عن معنى أن يكون الإنسان العربي محاصرًا بين أطلال الدولة وفوضى الهويات.

في المحصلة، فإن “لبنان، دولة في طور البقاء” ليس مجرد كتاب سياسي، بل نص أدبي يستحق أن يُقرأ كمرآة لزمن عربي مفكك، تسكنه الأسئلة الموجعة أكثر مما تسكنه الإجابات. إنه كتاب يحفر في الذات اللبنانية، لكنه يضع إصبعه في عمق الجرح العربي، ويعلن، بهدوء يشبه الانكسار، أن الكارثة ليست نهاية العالم، بل شكلٌ جديد من البقاء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى