
فاجعة جديدة تهز فاس.. انهيار عمارة يعيد ملف البناء العشوائي والفساد العمراني إلى الواجهة
الجريدة العربية
استفاقت مدينة فاس، في الساعات الأولى من صباح الخميس، على وقع فاجعة جديدة بعدما انهارت عمارة سكنية بشكل مفاجئ بحي عين النقبي بمنطقة جنان الورد، مخلفة قتيلين وستة جرحى، في مشهد مأساوي أعاد إلى الأذهان كارثة مشابهة شهدتها المدينة قبل أشهر قليلة وخلفت عشرات الضحايا.
الحادثة لم تكن مجرد انهيار بناية إسمنتية، بل كشفت مجدداً حجم الاختلالات الخطيرة التي تنخر قطاع التعمير والبناء العشوائي، وتطرح علامات استفهام كبيرة حول مسؤولية الجهات التي سمحت بتشييد طوابق إضافية خارج القانون، واستعمال مواد بناء غير مطابقة للمعايير، في أحياء تعاني أصلاً من هشاشة عمرانية مزمنة.
وفور وقوع الحادث، هرعت عناصر الوقاية المدنية والسلطات المحلية والأمنية إلى عين المكان، حيث جرى انتشال عدد من الضحايا من تحت الأنقاض، ونقل المصابين إلى المركز الاستشفائي الجامعي الحسن الثاني بفاس لتلقي العلاجات الضرورية، فيما باشرت السلطات عمليات إخلاء للمنازل المجاورة بعد ظهور تشققات خطيرة تهدد بانهيارات جديدة.
وبحسب المعطيات الأولية، فإن العمارة المنهارة كانت تضم شققاً سكنية بالإضافة إلى بناء عشوائي فوق السطح، وهو ما زاد من حجم الضغط على البناية وأدى إلى تفاقم هشاشتها البنيوية.
النيابة العامة بمحكمة الاستئناف بفاس دخلت على الخط بسرعة، حيث أمر الوكيل العام للملك بفتح تحقيق معمق لتحديد المسؤوليات وكشف كافة الملابسات المرتبطة بهذه الكارثة الجديدة.
وأكدت المعطيات القضائية أن التحقيقات التقنية السابقة المتعلقة بحوادث مماثلة كشفت وجود تجاوزات خطيرة، من بينها تشييد طوابق إضافية بدون ترخيص قانوني، واستعمال مواد بناء رديئة، إضافة إلى تفويتات غير قانونية لما يعرف بـ”حق الهواء”، وتحرير عقود بيع خارج الضوابط القانونية، وتسليم شواهد إدارية دون احترام المساطر المعمول بها.
وفي هذا السياق، كانت السلطات القضائية قد تابعت 21 شخصاً في ملفات مرتبطة بانهيارات سابقة، بتهم تتعلق بالتسبب غير العمدي في الوفاة والجروح، والفساد، والتصرف في أملاك غير قابلة للتفويت، والتواطؤ في منح وثائق إدارية مخالفة للقانون، حيث تم إيداع ثمانية متهمين السجن، فيما يتابع آخرون في حالة سراح.
وتعيد هذه الفاجعة إلى الواجهة النقاش حول تفشي البناء العشوائي والتراخي في مراقبة الأوراش السكنية، خاصة داخل الأحياء الشعبية والمدن العتيقة، حيث تتحول بعض البنايات إلى قنابل موقوتة تهدد حياة السكان في أي لحظة.
ويرى متابعون أن تكرار مثل هذه الكوارث يكشف وجود شبكات من التواطؤ بين بعض المنعشين والسماسرة وأطراف إدارية تستفيد من فوضى التعمير، في ظل ضعف المراقبة وغياب الصرامة في تطبيق القانون.
فاس، المدينة العريقة المصنفة تراثاً عالمياً، تجد نفسها اليوم أمام تحد عمراني خطير، يتجاوز مجرد انهيار بناية هنا أو هناك، ليطرح سؤالاً أعمق حول سلامة النسيج السكني بأكمله، وحول مدى قدرة السلطات على وقف نزيف العشوائية قبل وقوع مآسٍ جديدة.