
رسالة مفتوحة إلى الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، حين يتحدث “علماء المسلمين” عن المغرب ، أين يغيب ميزان الإنصاف؟
الجريدة العربية – ذ. يونس مشاوي *
السيد الأمين العام،
تابعنا، كما تابع كثير من المغاربة، تصريحاتكم الأخيرة بشأن أحداث سبتة، فوجدنا أنفسنا أمام خطاب يثير من الأسئلة أكثر مما يقدم من الأجوبة، ويستدعي من الملاحظات أكثر مما يستحق من الإعجاب.
ولعل أول ما يستوقفنا هو أنكم، وأنتم تتحدثون باسم مؤسسة تحمل عنوانا عابرا للحدود والأوطان، لم تجدوا في قضية سبتة ما يستحق التذكير به قبل كل شيء سوى التأويلات السياسية والفرضيات الجاهزة، وكأن الجغرافيا والتاريخ والذاكرة المغربية يمكن أن تمحى بمجرد اختيار المفردات المناسبة.
كان الأولى، قبل الغوص في التحليلات والاتهامات، أن تستحضر حقيقة تاريخية وسياسية لا تحتاج إلى كثير من التنقيب: سبتة ومليلية مدينتان مغربيتان تحت الاحتلال الإسباني. وهذه ليست مسألة انفعالية أو شعارا عابرا، بل قضية مرتبطة بتاريخ المغرب وسيادته وذاكرته الوطنية.
لكن يبدو أن بعض علماء المشرق، حين يصلون إلى المغرب، تتغير لديهم مقاييس القراءة ، فالقضايا التي تقرأ في أماكن أخرى بمنطق السيادة والاحتلال والحقوق التاريخية، تصبح في الحالة المغربية موضوعا مفتوحا للتأويل والانتقائية.
وهنا تحديدا يحق لنا أن نسأل: هل أصبح المغرب هو الاستثناء الوحيد الذي يطلب منه أن يشرح تاريخه، وأن يثبت حقوقه، وأن يقدم مرافعة دفاعية حتى أمام من يفترض أن يجمعهم به الانتماء الحضاري والديني؟
إن الإشكال لا يتعلق بتغريدة أو تصريح منفرد، وإنما بسياق أوسع من المواقف التي تركت لدى المغاربة انطباعا بأن بعض الخطابات المشرقية تجاه المغرب لا تزال أسيرة تصورات قديمة، تنظر إلى المملكة من موقع «المعلّم» الذي يوزع شهادات الصواب والخطأ على الآخرين، بدل أن تتعامل معها كدولة ذات تاريخ ومؤسسات وسيادة وخصوصية سياسية وثقافية لا تحتاج إلى وصاية فكرية من أحد.
ولذلك، فإن ما صدر بشأن سبتة لا يمكن فصله، في نظر كثير من المتابعين، عن مواقف سابقة أثارت بدورها أسئلة حول مدى التزامكم بالموضوعية في تناول قضية الصحراء المغربية. وقد كان الأجدر بمن يتصدر مؤسسة دينية عالمية أن يتحرى أعلى درجات الدقة والإنصاف، لا أن يترك المجال لانطباع مفاده أن روايات إقليمية متنازعة أصبحت تعامل وكأنها حقائق نهائية.
أما بخصوص أحداث سبتة، فإن تدفق آلاف المغاربة في ظروف استثنائية هو واقعة تستحق التحقيق الهادئ والمسؤول: من حرّك الأحداث؟ ما أسبابها؟ كيف تطورت؟ ومن استفاد سياسيًا وإعلاميًا منها؟
هذه أسئلة مشروعة. لكن ما ليس مشروعا هو أن تتحول الأسئلة إلى أحكام، وأن تتحول الظنون إلى اتهامات، وأن يُستبدل التحقيق بالأيديولوجيا.
والأكثر إثارة للاستغراب هو محاولة ربط هذه الأحداث بمواقف الحكومة الإسبانية من القضية الفلسطينية، ثم الإيحاء بوجود «أصابع صهيونية» دون تقديم معطيات أو أدلة يمكن أن تسند هذا الاستنتاج.
وهنا نذكّر، بكل احترام، أن العالم حين يتحدث باسم الدين لا يملك ترف إطلاق الفرضيات كما يطلقها المعلق السياسي في فضاء التواصل الاجتماعي. فالكلمة مسؤولية، والاتهام يحتاج إلى بينة، والظن لا يصبح حقيقة لمجرد أن صاحبه يرتدي عباءة دينية أو يتحدث باسم مؤسسة علمائية.
بل إن من أبسط قواعد المنهج العلمي أن تكون درجة الجزم متناسبة مع قوة الدليل. أما الانتقال من حدث إلى اتهام، ومن اتهام إلى استنتاج جيوسياسي، ثم تقديم ذلك للجمهور باعتباره قراءة سياسية ذات خلفية دينية، فذلك ليس علما ولا إنصافا ، إنه مجرد تسييس للظن وإلباسه ثوب المعرفة.
والغريب أنكم، وأنتم تمثلون مؤسسة يفترض أن تكون جامعة لعلماء المسلمين، تبدون في بعض المواقف أكثر اهتماما بتفسير ما يجري في المغرب وفق روايات الخارج من اهتمامكم بسماع الرواية المغربية نفسها.
فهل أصبح المغرب، في قاموس بعض النخب المشرقية، دولة تحتاج دائما إلى من يفسر لها تاريخها، ويصحح لها ذاكرتها، ويعيد تعريف قضاياها الوطنية؟ وهل يحتاج المغرب فعلا إلى دروس في الوطنية والسيادة من أي جهة كانت؟
المغرب لم ينتظر يوما شهادة من أحد في دفاعه عن وحدته الترابية، ولا في تعامله مع قضايا الهجرة، ولا في علاقاته الدولية. وقد تختلف الدول والحكومات في تقييم بعض السياسات، لكن ذلك لا يمنح أحدا حق اختزال المغرب في رواية خصومه أو التعامل معه بمنطق الوصاية الأخلاقية والسياسية.
والأهم من ذلك أن الانتماء إلى العالم الإسلامي لا يعني أن بعض الدول الإسلامية تصبح أكثر إسلاما من غيرها، ولا أن علماء المشرق يمتلكون تفويضا دينيا للحكم على مواقف المغرب الوطنية.
فإذا كان الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين مؤسسة عالمية بالفعل، فإن عالميتها تقتضي الإنصاف تجاه الجميع، لا أن تكون له عين ترى تفاصيل خصوم المغرب، وعين أخرى تُغمض أمام حقوق المغرب التاريخية.
كما أن الحديث عن الوحدة الإسلامية لا يستقيم إذا تحولت القضايا الوطنية لبعض الدول إلى مادة للتأويل والانتقاء، بينما تعامل قضايا دول أخرى بمنطق السيادة والحقوق التاريخية غير القابلة للنقاش.
إن المغرب ليس “موضوعًا” في دفتر الملاحظات المشرقية، ولا هامشا جغرافيا في خريطة يصوغها الآخرون، ولا دولة حديثة العهد بتاريخها حتى يعاد تعريفه كلما تغيرت موازين السياسة.
المغرب بلد له ذاكرة، وله سيادة، وله مؤسسات، وله علماء ومفكرون، وله شعب يعرف جيدا أين تبدأ حقوقه وأين تنتهي حقوق الآخرين.
أما سبتة ومليلية، فهما ليستا مجرد عنوان في أزمة هجرة عابرة، ولا ورقة في سجال سياسي موسمي. إنهما مدينتان مغربيتان تحت الاحتلال الإسباني، وستظل هذه الحقيقة جزءا من الذاكرة الوطنية المغربية، مهما حاول البعض أن يضعها جانبا كلما أراد تحليل حادثة معينة.
وإذا كان من حقكم أن تختلفوا مع السياسات المغربية، فإن من حق المغاربة أيضا أن يختلفوا مع قراءاتكم وأن يسائلوا خلفياتها ومناهجها ومصادرها.
بل من حقهم أن يقولوا بصراحة: لا نحتاج إلى عالمٍ يذكرنا بأننا مسلمون ثم يتعامل مع حقوقنا الوطنية وكأنها تفصيل ثانوي ، نحتاج إلى عالمٍ يلتزم بالعدل عندما يتعلق الأمر بنا كما يطالب بالعدل عندما يتعلق الأمر بغيرنا.
وإذا كان الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين يريد أن يحافظ على مكانته العلمية، فعليه أن يبرهن أن كلمة «العالمي» في اسمه ليست مجرد صفة جغرافية، وأن كلمة «العلماء» ليست حصانة من النقد، وأن كلمة «المسلمين» لا تستخدم انتقائيا بحسب الجهة التي يكون الحديث عنها.
لقد آن الأوان لبعض الخطابات المشرقية أن تتخلص من تلك النظرة الفوقية القديمة إلى المغرب ، نظرة تختزل المغرب حينا في «بلد المغرب الأقصى»، وحينا في موضوع للنصح السياسي، وحينا آخر في ساحة مفتوحة لإسقاط صراعات المشرق عليه.
المغرب ليس بحاجة إلى وصاية فقهية على وطنيته، ولا إلى دروس في تاريخه، ولا إلى شهادات حسن سلوك تصدر من خارج حدوده. ومن يتحدث باسم العلماء مطالب قبل غيره بأن يتذكر أن العدل لا يتجزأ، وأن الموضوعية لا تتغير بتغير الجغرافيا، وأن الحقيقة لا تصبح أقل حقيقة لأنها مغربية.
أما نحن، فسنظل نرفض كل قراءة تنتقص من سيادة المغرب أو تتجاهل حقوقه التاريخية، كما نرفض أن تتحول المنابر الدينية إلى منصات لإعادة إنتاج روايات سياسية جاهزة، أيا كان مصدرها.
ولعل أبلغ ما يُختم به هذا الكلام قول الله تعالى:
«﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾» . صدق الله العظيم.