أعمدة الرأي

حين تختار السياسة ما نراه… لماذا تُضخَّم بعض الأزمات وتُدفن أخرى؟

الجريدة العربية – صلاح الطاهري / اليمن


في عالمٍ يفترض أن تدفّق المعلومات فيه كسر حدود الجغرافيا وأسقط احتكار الحقيقة، لا يزال المشهد الإخباري الدولي خاضعا لاعتبارات سياسية صارمة تحدد ما يُرى وما يُهمَّش، وما يتحول إلى قضية عالمية، وما يُترك لينزف بصمت داخل حدود دولة منهكة.

فالتفاوت الصارخ في حجم الاهتمام الإعلامي بالأزمات لا يعكس حجم المأساة الإنسانية بقدر ما يعكس موقعها من خارطة المصالح الدولية وموازين القوة النافذة.

لم يعد الإعلام العالمي، كما يُروَّج له، مرآة محايدة للواقع، بل غدا في كثير من الأحيان، أداة سياسية ناعمة تُستخدم لإدارة الصراعات وتوجيه الرأي العام.

تُضخَّم أزمات بعينها وتُقدَّم بلغة أخلاقية عالية حين تخدم سردية سياسية محددة، بينما تُختزل أزمات أخرى، أشد قسوة وأكثر دموية، في أخبار هامشية أو تقارير موسمية باهتة لأنها تفضح صمتا دوليا أو تُحرج حلفاء نافذين.

هنا لا يُطرح سؤال العدالة، بل سؤال المنفعة، ولا يُقاس الألم بعمقه الإنساني بل بمدى قابليته للتوظيف السياسي.
هذا الخلل ليس نتيجة خطأ مهني عابر، بل نتاج ازدواجية معايير متجذرة في بنية النظام الدولي.

انتهاك يُدان في مكان ويُبرَّر في مكان آخر، وضحية يُمنح لها الصوت حين تتوافق مع الخطاب السائد، وتُصادر روايتها حين تُربك الحسابات السياسية.

الإعلام لا يصنع هذه الازدواجية من فراغ، بل يعيد إنتاجها ويمنحها شرعية يومية عبر العناوين المختارة، والمصطلحات المستخدمة، والمساحات الممنوحة، والصمت المقصود عمّا يجب أن يُقال.

الأزمات التي تُقلق النظام الدولي القائم، أو تهدد استقراره الاقتصادي والأمني، تُرفع سريعاً إلى مستوى الخطر العالمي، حتى وإن كانت محدودة في نطاقها الجغرافي.

في المقابل، تُختزل الأزمات التي تكشف فشل هذا النظام أو تورط بعض أطرافه في توصيفات مخففة من قبيل النزاعات الداخلية أو الأزمات المزمنة أو الصراعات التاريخية، وكأن الزمن كفيل بإطفاء المأساة أو تحويلها إلى أمر واقع لا يستحق التدخل أو المتابعة.

بهذه اللغة، يُعاد تعريف الكارثة بما يناسب السياسة، لا بما يفرضه الضمير. حيث لا يمكن فصل هذا المشهد عن علاقة الإعلام بالتمويل والسلطة.

فالمؤسسات الإعلامية الكبرى تعمل داخل منظومات اقتصادية وسياسية محددة، وتتحرك وفق حسابات السوق والإعلانات والتحالفات، ما يجعل بعض الأزمات مادة مربحة وقابلة للتسويق، فيما تُعد أزمات أخرى عبئا ثقيلا لا ينسجم مع مصالح الممولين أو توجهات المراكز المؤثرة. من هنا، لا يُقصى الخبر لأنه غير مهم، بل لأنه غير مرغوب فيه.

في هذا السياق، تبدو شعوب الجنوب العالمي الخاسر الأكبر في معركة السرد. حيث أن مآسيها لا تصل إلى الواجهة لأنها تفتقر إلى أدوات الضغط السياسي، ولا تمتلك لوبيات فاعلة، ولا تحظى بمنصات قادرة على فرض روايتها على الأجندة الدولية.

فتظل الحروب والمجاعات والانتهاكات اليومية خارج دائرة الضوء، إلا حين تُستخدم كورقة تفاوض أو ورقة ابتزاز في لحظة سياسية عابرة، ثم تُعاد إلى الهامش من جديد.

ما يُقدَّم للعالم اليوم ليس الحقيقة كاملة، بل نسخة منتقاة بعناية، تُصاغ وفق منطق القوة لا وفق ميزان العدالة.
في ظل هذا الواقع، تصبح المعركة الحقيقية معركة على تعريف الأزمة نفسها، وعلى من يملك حق تسميتها وتحديد خطورتها ومنح ضحاياها شرعية الظهور.

هكذا، وفي عالم تُدار فيه القيم بمنطق السياسة، تظل الحقيقة أولى الضحايا، ما لم يُستعد لها صوت مستقل وإعلام شجاع يرفض الاصطفاف، ويعيد الاعتبار للإنسان بوصفه جوهر الخبر لا هامشه.

زر الذهاب إلى الأعلى