أخبار المغرب

تحويلات مغاربة العالم: هل آن الأوان لتحويل التضامن العائلي إلى استثمار منتج؟

الجريدة العربية

لم تعد تحويلات المغاربة المقيمين بالخارج مجرد أرقام مالية تتدفق سنوياً نحو المملكة، بل أصبحت أحد أهم أعمدة الاقتصاد الوطني ومصدراً رئيسياً للعملة الصعبة. فخلف كل تحويل مالي قصة إنسانية تختزل معاني التضامن العائلي والارتباط العميق بالوطن، سواء تعلق الأمر بابن يساند والديه، أو أم تؤمّن مصاريف دراسة أبنائها، أو فلاح يطور استغلاليته الزراعية بفضل دعم أحد أفراد أسرته المقيم في الخارج.

وخلال لقاء رفيع المستوى احتضنته الرباط بمناسبة اليوم الدولي للتحويلات المالية للأسر، أجمع مسؤولون ومؤسسات وطنية ودولية على ضرورة الانتقال من منطق اعتبار هذه التحويلات مجرد وسيلة لدعم الاستهلاك الأسري، إلى اعتبارها رافعة حقيقية للاستثمار والتنمية وخلق فرص الشغل، خصوصاً في العالم القروي الذي يواجه تحديات متزايدة بفعل التغيرات المناخية والهشاشة الاقتصادية.

وتواصل تحويلات المغاربة المقيمين بالخارج أداء دور حيوي في تمويل التعليم والرعاية الصحية ودعم الأنشطة الفلاحية ومساعدة الأسر على تجاوز الأزمات الاجتماعية والاقتصادية. غير أن التطورات التي تعرفها المملكة، والتحديات التي تواجه المناطق القروية والجبلية، تفرض اليوم إعادة التفكير في كيفية توجيه جزء أكبر من هذه الموارد نحو مشاريع إنتاجية قادرة على خلق الثروة وتعزيز التنمية المحلية.

وقد بلغ حجم التحويلات المالية الواردة إلى المغرب خلال سنة 2025 أكثر من 122 مليار درهم، أي ما يعادل نحو 8 في المائة من الناتج الداخلي الخام. ورغم التقلبات الاقتصادية العالمية والأزمات المتلاحقة، حافظت هذه التدفقات على مستوى مرتفع من الاستقرار والمرونة، ما يؤكد قوة ارتباط الجالية المغربية بوطنها الأم.

وفي هذا السياق، دعا رئيس الصندوق الدولي للتنمية الزراعية، ألفارو لاريو، إلى تغيير النظرة التقليدية لهذه التحويلات، معتبراً أنها لم تعد تقتصر على توفير احتياجات العيش اليومية للأسر، بل يمكن أن تتحول إلى مصدر للادخار والاستثمار وتمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة، خاصة في المناطق القروية التي تحتاج إلى دينامية اقتصادية جديدة.

ومن جهته، أكد المدير العام لبنك المغرب، عبد الرحيم بوعزة، أن العالم القروي يوجد اليوم في صلب التحديات المرتبطة بالتغيرات المناخية وضغط الموارد الطبيعية ومتطلبات الأمن الغذائي. وأوضح أن تحويلات مغاربة العالم تمثل عامل استقرار أساسياً للأسر القروية، حيث تساعدها على الحفاظ على قدرتها الشرائية ومواجهة آثار الأزمات المتتالية.

غير أن المسؤول ذاته شدد على أن الإمكانات الحقيقية لهذه التحويلات لا تزال غير مستغلة بالشكل الكافي، داعياً إلى تعزيز الربط بين التحويلات المالية والخدمات البنكية الحديثة، بما يشمل الادخار والتأمين والتمويل الرقمي والقروض الموجهة للاستثمار. ويرى بنك المغرب أن تعميم الولوج إلى هذه الخدمات يمكن أن يحول جزءاً مهماً من الأموال المحولة إلى مشاريع اقتصادية منتجة ومولدة لفرص الشغل.

وتنسجم هذه الرؤية مع الاستراتيجية الوطنية للشمول المالي التي تعتبر أن الولوج إلى الخدمات المالية لا يقتصر على الجانب البنكي فحسب، بل يمثل أيضاً أداة أساسية لتحقيق التنمية الترابية وتعزيز قدرة الأسر على مواجهة الصدمات الاقتصادية والمناخية.

وفي القطاع الفلاحي، يرى مسؤولو وزارة الفلاحة والتنمية القروية أن تحويلات الجالية المغربية لعبت خلال العقود الماضية دوراً محورياً في تغيير ملامح العديد من المناطق المعروفة تاريخياً بالهجرة نحو أوروبا. فقد ساهمت هذه الأموال في تحديث الضيعات الفلاحية، وتطوير أنشطة اقتصادية جديدة، وتحسين البنية الاجتماعية والاقتصادية للقرى والمداشر.

وأكد الكاتب العام للوزارة، رضوان عرّاش، أن حجم التحويلات التي يتلقاها المغرب بات يوازي تقريباً القيمة المضافة السنوية للقطاع الفلاحي، وهو ما يعكس أهميتها الاستراتيجية. كما شدد على أن هذه الموارد يمكن أن تشكل مصدراً أساسياً لتمويل المشاريع الزراعية والمقاولات القروية الصغرى ودعم الابتكار والتشغيل، خصوصاً في صفوف الشباب والنساء.

ومن الجانب الفرنسي، أبرز شارل تيبو، الوزير المستشار ونائب رئيس البعثة الدبلوماسية الفرنسية بالرباط، أن فرنسا تظل المصدر الأول لتحويلات الجالية المغربية نحو المملكة، بما يمثل نحو 31 في المائة من إجمالي التدفقات المالية، أي ما يقارب 3,3 مليارات يورو سنوياً.

وأوضح الدبلوماسي الفرنسي أن هذه الأرقام لا تعكس فقط واقعاً اقتصادياً، بل تجسد أيضاً عمق العلاقات الإنسانية والاجتماعية التي تربط ملايين المغاربة المقيمين بفرنسا بأسرهم ومناطقهم الأصلية. وأضاف أن الجاليات لا تنقل الأموال فقط، بل تحمل معها أيضاً الخبرات والكفاءات والشبكات المهنية القادرة على الإسهام في تنمية البلدان الأصلية.

وفي السياق ذاته، تراهن مؤسسات أوروبية ودولية على الرقمنة كوسيلة لتعزيز فعالية التحويلات وتقليص تكلفتها. ويهدف برنامج “ديجيت ريميت المغرب” المدعوم من الاتحاد الأوروبي والصندوق الدولي للتنمية الزراعية إلى تشجيع التحويلات الرقمية وربط المستفيدين بخدمات الادخار والتمويل والتأمين، بما يعزز استقلاليتهم الاقتصادية وقدرتهم على الاستثمار.

ورغم أهمية البعد الاقتصادي، فإن المتدخلين شددوا على ضرورة عدم إغفال البعد الإنساني لهذه التحويلات. وفي هذا الإطار، أكد رئيس مجلس الجالية المغربية بالخارج، إدريس اليزمي، أن الأرقام الضخمة التي انتقلت من حوالي 37 مليار درهم مطلع الألفية إلى أكثر من 122 مليار درهم اليوم، تخفي وراءها مئات الآلاف من التحويلات الصغيرة التي تعكس مشاعر الوفاء والانتماء للأسرة والوطن.

وأشار إلى أن جوهر هذه التحويلات ظل ثابتاً رغم تغير الوسائل والأدوات، فهي تعبر قبل كل شيء عن روابط عائلية وإنسانية تتجاوز الحدود والمسافات، وهو ما يفسر قدرتها على الصمود أمام مختلف الأزمات الدولية.

وفي ختام اللقاء، برز إجماع واضح على أن تحويلات مغاربة العالم ستظل في المقام الأول أداة للتضامن الأسري، لكنها تمتلك في الوقت نفسه إمكانات هائلة لدعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية. ومن أجل تحقيق هذا الهدف، دعا المشاركون إلى خفض تكاليف التحويلات، وتعزيز الشمول المالي، وتوسيع استخدام الحلول الرقمية، وتشجيع الادخار والاستثمار، وتوفير بيئة محفزة للمقاولات والمشاريع المنتجة.

وتتمثل الرهانات المستقبلية في جعل كل درهم يصل من الخارج لا يساهم فقط في تحسين ظروف عيش الأسر اليوم، بل أيضاً في بناء اقتصاد أكثر قوة وتوازناً، قادر على خلق فرص الشغل وتعزيز صمود العالم القروي وتحقيق تنمية شاملة ومستدامة في مختلف جهات المملكة.

زر الذهاب إلى الأعلى