
المغرب يعيش أحد أعنف موجات الأمطار منذ عقود
الجريدة العربية
يشهد المغرب، خلال الأسابيع الأخيرة، واحدة من أكثر الفترات المطرية كثافة منذ عدة عقود، خصوصاً في شمال وشمال-غرب المملكة. ووفق معطيات المديرية العامة للأرصاد الجوية، فإن هذا العارض يُصنَّف ضمن الثلاثة الأشد مطراً منذ عقود، بعد شتائي 1996 و2010، وهو ما يؤكد الطابع الاستثنائي لهذه التساقطات من حيث الحجم والمدة والتركيز الجغرافي.
بعد سبع سنوات متتالية من الجفاف، جاءت هذه الأمطار الغزيرة لتُحدِث تحولاً واضحاً في المعادلة المناخية والهيدرولوجية للمملكة. فقد تميزت التساقطات الأخيرة بقوتها وتركيزها في فترة زمنية قصيرة، مع تسجيل كميات تعادل في بعض المناطق معدلات شهرين إلى ثلاثة أشهر من الأمطار في أقل من 48 ساعة، ما يعكس حدة التقلبات المناخية التي باتت تميز المغرب في السنوات الأخيرة.

وسُجِّلت أعلى المعدلات في مدن الشمال، حيث تجاوزت الأمطار 190 ملم في طنجة، و185 ملم في شفشاون، وأكثر من 150 ملم في طنجة-الميناء، بينما فاقت عدة مناطق أخرى عتبة 100 ملم، من بينها العرائش وتاونات وأصيلة ومناطق من حوض اللوكوس. كما لم تكن المناطق الجبلية بمعزل عن هذا الوضع، إذ عرفت مرتفعات الريف والأطلس المتوسط تساقطات مهمة دعّمت الموارد المائية لكنها زادت في المقابل من مخاطر الفيضانات والانجرافات.
على مستوى السهول الأطلسية، سُجلت بدورها كميات مهمة، خصوصاً في القنيطرة والرباط-سلا، في حين بقي تأثير هذه الموجة أقل حدة نسبياً في الوسط والجنوب، حيث لم تتجاوز التساقطات في مدن مثل مراكش وأكادير مستويات محدودة مقارنة بالشمال.
هذا الوضع انعكس مباشرة على مخزون السدود، الذي بلغ أزيد من 10,8 مليارات متر مكعب، بنسبة ملء تقارب 65%، أي بارتفاع يفوق 130% مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية. غير أن هذا التحسن اللافت في الموارد المائية ترافق مع تحديات ميدانية، أبرزها الفيضانات المحلية، وارتفاع منسوب الأودية، وضرورة اللجوء إلى تفريغات وقائية في بعض السدود لتفادي المخاطر.
وتعزو المديرية العامة للأرصاد الجوية هذه الظاهرة إلى وضع جوي غير معتاد، يتمثل في ضعف حركة المنخفض القطبي، ما سمح باندفاع كتل هوائية باردة نحو الجنوب، وبتوجيه اضطرابات أطلسية غنية بالرطوبة نحو شمال المغرب. كما لعب تقوّي التيار النفاث دوراً محورياً في نقل كميات كبيرة من الرطوبة عبر ما يُعرف بـ«الأنهار الجوية»، وهو ما أفضى إلى تساقطات متواصلة وقوية في فترة زمنية وجيزة.
وبينما تمثل هذه الأمطار خبراً إيجابياً على مستوى الأمن المائي بعد سنوات من الإجهاد، فإنها تُبرز في الوقت نفسه هشاشة التوازن المناخي، وتفرض تعزيز اليقظة، وتطوير آليات التنبؤ والتدبير الاستباقي للمخاطر، خاصة في المناطق الأكثر عرضة للفيضانات.