
القنصلية المغربية بفيرونا: مؤسسة في خدمة الجالية، وواجهة للدبلوماسية الميدانية، وحصن للدفاع عن القضايا الوطنية
الجريدة العربية – تحقيق خاص
تنويه تحريري: الدبلوماسية المغربية بفيرونا في ميزان “الجريدة العربية”
تزامناً مع التحولات الكبرى التي تشهدها الدبلوماسية المغربية على الساحة الدولية، وفي إطار مواكبتها المستمرة لقضايا الجالية المغربية بالخارج، تفتح “الجريدة العربية” ملف العمل القنصلي بشمال إيطاليا من خلال تحقيق شامل ومتكامل ينشر على ثلاث حلقات منفصلة.وتسلط هذه السلسلة الضوء على تجربة القنصلية العامة للمملكة المغربية بمدينة فيرونا تحت إشراف القنصل العام السيد عبد الإله النجاري، راصدةً كيف تحول هذا المرفق من إدارة تقليدية إلى ورش مفتوح للدبلوماسية الميدانية، ودبلوماسية القرب، والترافع عن القضايا الاستراتيجية للمملكة وعلى رأسها ملف الوحدة الترابية.
الحلقة الأولى

لم تعد القنصلية العامة للمملكة المغربية بمدينة فيرونا مجرد إدارة عمومية يقصدها أفراد الجالية لاستخراج جواز سفر أو تجديد بطاقة تعريف وطنية أو الحصول على وثيقة إدارية، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى فضاء دبلوماسي متكامل يجمع بين خدمة المواطنين والانفتاح على المؤسسات الإيطالية، والترافع عن المصالح العليا للمملكة، وتعزيز الحضور المغربي داخل واحدة من أهم المناطق الاقتصادية بإيطاليا.
فالعمل القنصلي الحديث لم يعد يقاس بعدد الوثائق المسلمة أو الملفات الإدارية المعالجة فحسب، وإنما بقدرة المؤسسة القنصلية على أن تكون امتداداً حقيقياً للدبلوماسية المغربية في الخارج، وأن تواكب التحولات التي تعرفها العلاقات الدولية، وأن تجعل من أفراد الجالية سفراء حقيقيين لبلدهم، وأن تبني شبكة من العلاقات مع مختلف الفاعلين السياسيين والاقتصاديين والثقافيين والدينيين داخل بلد الاعتماد.
هذا بالضبط ما حاولت القنصلية العامة للمملكة المغربية بمدينة فيرونا تكريسه منذ تولي القنصل العام عبد الإله النجاري مهامه، حيث اختارت الاشتغال وفق رؤية تقوم على الخروج من منطق الإدارة التقليدية نحو دبلوماسية القرب، وجعل المؤسسة القنصلية حاضرة في مختلف دوائر القرار المحلي الإيطالي، دون أن تغفل في الوقت نفسه عن تطوير الخدمات المقدمة للجالية المغربية المنتشرة عبر مختلف مدن منطقة تريفينيتو.
ولعل المتتبع للأنشطة التي راكمتها القنصلية خلال هذه الفترة يلاحظ بسرعة أن الأمر لا يتعلق ببرنامج مناسبات عابر، وإنما بخطة عمل متكاملة امتدت إلى مختلف القطاعات؛ من السياسة والاقتصاد إلى الثقافة والأمن والحوار الديني، مروراً بالتعاون اللامركزي، والعناية بالكفاءات المغربية، والانفتاح على المجتمع المدني، وتطوير الخدمات القنصلية، في نموذج يعكس التحول الذي تعرفه الدبلوماسية المغربية في عهد صاحب الجلالة الملك محمد السادس.
من الإدارة إلى الدبلوماسية الميدانية
منذ تولي الأستاذ عبد الإله النجاري مهامه بالقنصلية العامة للمملكة المغربية في فيرونا، شمال إيطاليا، بدا واضحًا أن هذه التمثيلية اختارت الانفتاح على محيطها والخروج من حدود مقرها المغلق إلى الفضاء العام.
فاللقاءات الرسمية لم تعد تقتصر على استقبال الوفود داخل القنصلية، وإنما انتقل القنصل العام بنفسه إلى المؤسسات الإيطالية، واضعاً نصب عينيه هدفاً واضحاً يتمثل في بناء شبكة علاقات واسعة مع مختلف المسؤولين المحليين.
ولم يكن هذا التحرك مجرد زيارات بروتوكولية لتبادل عبارات المجاملة، بل كان يحمل رسائل سياسية ودبلوماسية واضحة.
فكل لقاء كان مناسبة للتعريف بالمملكة المغربية باعتبارها شريكاً استراتيجياً لإيطاليا، ودولة تتمتع باستقرار سياسي ومؤسساتي يجعلها شريكاً موثوقاً في محيط إقليمي ودولي يعرف تحولات متسارعة، كما كان مناسبة لإبراز الإصلاحات الكبرى التي تعرفها المملكة في مختلف المجالات الاقتصادية والاستثمارية والتنموية.
وفي خلفية هذه اللقاءات، ظلت قضية الوحدة الترابية للمملكة حاضرة باعتبارها الثابت الأول للدبلوماسية المغربية، حيث حرص القنصل العام على تقديم صورة دقيقة للمغرب ولمقوماته السياسية والاقتصادية، وتعريف المسؤولين الإيطاليين بالتطورات التي تعرفها المملكة، وبالمكانة التي أصبحت تحتلها إقليمياً ودولياً، بما يعزز الفهم الموضوعي للمواقف المغربية داخل مختلف الأوساط المحلية الإيطالية.
فيرونا… نقطة الانطلاق
كان من الطبيعي أن تبدأ هذه الدينامية بمدينة فيرونا نفسها، باعتبارها مقر القنصلية وأحد أهم المراكز الاقتصادية والثقافية في شمال إيطاليا.
وفي هذا الإطار، عقد القنصل العام لقاءً مع عمدة المدينة داميانو توماسي، تناول أوضاع الجالية المغربية المقيمة بالمدينة وآفاق تطوير التعاون اللامركزي بين المؤسسات المحلية الإيطالية ونظيراتها المغربية، في خطوة تعكس الرغبة في نقل العلاقات المغربية الإيطالية من مستوى التعاون المركزي بين الحكومتين إلى مستوى الشراكات الترابية بين المدن والبلديات.
ولم يتوقف الأمر عند البلدية، بل امتد إلى رئاسة محافظة فيرونا، حيث جمع لقاء آخر القنصل العام برئيس المحافظة فلافيو ماسيمو بازيني.
وشكل الاجتماع محطة مهمة لتقييم وضعية الجالية المغربية داخل المحافظة، التي تضم ثمانية وتسعين بلدية، كما فتح الباب أمام مناقشة فرص الاستثمار، وتعزيز المبادلات الاقتصادية، وتشجيع التعاون بين الجماعات الترابية المغربية ونظيراتها الإيطالية.
ولعل ما يلفت الانتباه في هذا اللقاء هو أن المسؤول الإيطالي نفسه أكد أهمية العلاقات الاقتصادية القائمة بين البلدين، وهو ما يعكس المكانة التي بات يحتلها المغرب داخل النسيج الاقتصادي الإيطالي، باعتباره شريكاً يحظى بثقة متزايدة لدى الفاعلين المحليين.
بادوفا… بوابة نحو تعاون متعدد الأبعاد
بعد تثبيت جسور التواصل داخل فيرونا، اتجهت الدبلوماسية القنصلية المغربية نحو مدينة بادوفا، التي تعد من أهم المدن الجامعية والاقتصادية بإيطاليا.
وهنا لم يقتصر النشاط على لقاء واحد، بل شمل سلسلة من الاجتماعات مع مختلف المسؤولين المحليين.
فقد استقبل عمدة المدينة سيرجيو جيورداني القنصل العام في زيارة رسمية تناولت سبل تعزيز التعاون اللامركزي بين بادوفا والمدن المغربية، مع التركيز على الجوانب الاقتصادية والثقافية والتنموية، كما أعقب ذلك لقاء مع مستشار العمدة المكلف بالثقافة أندريا كولاسيو، بهدف فتح آفاق جديدة للتعاون الثقافي، وإبراز الغنى الحضاري المغربي داخل الفضاء الإيطالي.
هذا الحضور داخل مدينة بادوفا لم يقتصر على البعد الثقافي فقط، بل امتد إلى المجال الاقتصادي من خلال لقاء رئيس الغرفة التجارية، الذي شكل مناسبة لتبادل الرؤى حول تعزيز المبادلات التجارية، واستقطاب الاستثمارات الإيطالية نحو المغرب، مستفيداً من الإصلاحات الاقتصادية الكبرى التي تعرفها المملكة، ومن موقعها كبوابة نحو الأسواق الإفريقية.
وفي الوقت نفسه، شمل برنامج العمل الجانب الأمني، حيث عقد القنصل العام لقاءً مع والي أمن بادوفا، خُصص لبحث أوضاع الجالية المغربية وسبل تعزيز التعاون المؤسساتي بين الأجهزة الأمنية الإيطالية والقنصلية المغربية، بما يضمن خدمة أفضل للمواطنين واحترام القوانين الإيطالية وتعزيز الاندماج الإيجابي داخل المجتمع المضيف.

من القنصلية التقليدية إلى “مؤسسة دبلوماسية متكاملة“
يظهر خلال هذا التحقيق الخاص لـ “الجريدة العربية“ أن ما تشهده القنصلية العامة للمملكة المغربية بفيرونا ليس مجرد دينامية إدارية عابرة، بل هو تجسيد حي للمفهوم المتطور “لدبلوماسية القرب والاتصال الميداني”.
إن الانتقال بالعمل القنصلي من وراء المكاتب المغلقة إلى قلب دوائر القرار الإيطالي في مدن كبرى مثل فيرونا وبادوفا، يؤكد أن الجالية المغربية وقضاياها الوطنية لم تعد مجرد ملفات رقمية، بل هي شريك أساسي في بناء العلاقات الدولية.
ومن خلال التوفيق بين تجويد المرفق العمومي والترافع الذكي عن مغربية الصحراء والمصالح العليا للمملكة، يضع القنصل العام عبد الإله النجاري لبنةً نموذجية في صرح الدبلوماسية المغربية الحديثة تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس؛ كنموذجٌ يعيد تعريف “القنصلية” بوصفها جسراً اقتصادياً وثقافياً متيناً، وحصناً للدفاع عن قضايا الوطن، وسفارةً مصغرة في خدمة المواطن والوطن على حد سواء.



