
أموال الشعب بين الرقابة والتقييد.. هل يُضعف قانون المسطرة الجنائية الجديد دور المجتمع المدني في مكافحة الفساد؟
الجريدة العربية
أعاد دخول القانون رقم 03.23 المعدل والمتمم لقانون المسطرة الجنائية حيز التنفيذ منذ دجنبر 2025 فتح النقاش مجدداً حول حدود دور المجتمع المدني في مكافحة الفساد وحماية المال العام بالمغرب، بعد أن قيّد بشكل كبير إمكانية لجوء الجمعيات إلى القضاء في قضايا تبديد واختلاس الأموال العمومية.
فعلى مدى سنوات، لعبت جمعيات حماية المال العام دوراً محورياً في كشف عدد من ملفات الفساد المالي والإداري داخل المؤسسات المنتخبة والإدارات العمومية، من خلال تتبع الاختلالات الواردة في تقارير الرقابة والتفتيش، وتقديم شكايات مباشرة إلى القضاء أسفرت عن متابعة ومحاكمة مسؤولين ومنتخبين وبرلمانيين وموظفين عموميين.
ومن أبرز القضايا التي ارتبطت بتحركات هذه الجمعيات، الملف الذي انتهى بإدانة الوزير السابق والرئيس الأسبق لجماعة الفقيه بن صالح، محمد مبديع، بعقوبة سجنية ثقيلة على خلفية تهم تتعلق بتبديد واختلاس المال العام.
غير أن المشهد تغير بشكل لافت بعد اعتماد التعديلات الجديدة على قانون المسطرة الجنائية، حيث أصبح تحريك المتابعة في الجرائم المرتبطة بالمال العام محصوراً في جهات محددة، وفي مقدمتها الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض بصفته رئيساً للنيابة العامة، بناءً على إحالات صادرة عن المجلس الأعلى للحسابات أو تقارير المفتشيات العامة أو الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، أو أي جهة أخرى يخولها القانون صراحة هذه الصلاحية.
كما قيد القانون الجديد حق الجمعيات في تقديم الشكايات، إذ اشترط أن تكون الجمعية معترفاً لها بصفة المنفعة العامة وأن تحصل على ترخيص مسبق من السلطة الحكومية المكلفة بالعدل لممارسة التقاضي في هذا النوع من القضايا.
جدل قانوني وحقوقي واسع
وقد أثارت هذه المقتضيات انتقادات من عدد من الفاعلين الحقوقيين والمؤسسات الاستشارية، التي اعتبرت أن التعديلات تمثل تراجعاً عن الأدوار الدستورية المخولة للمجتمع المدني في مجال الرقابة والمساءلة.
وفي هذا السياق، سبق للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أن عبّر في رأيه الاستشاري حول المشروع عن تحفظه إزاء تقييد حق التقاضي في ملفات المال العام، معتبراً أن هذه المقتضيات لا تنسجم مع فلسفة التشريعات الرامية إلى تعزيز الشفافية ومحاربة الفساد، كما أن اشتراط الحصول على ترخيص مسبق للتقاضي لا ينسجم مع روح الدستور التي تعزز مكانة المجتمع المدني كشريك في تدبير الشأن العام.
في المقابل، يدافع وزير العدل عبد اللطيف وهبي عن هذه التعديلات، مؤكداً أن نسبة مهمة من الشكايات التي كانت تُرفع إلى النيابة العامة والشرطة القضائية اتضح أنها كيدية أو تفتقر إلى الأسس القانونية، وأن بعضها كان يُستعمل للإساءة إلى الأشخاص والمس بسمعتهم دون أدلة كافية.
جمعيات حماية المال العام: محاولة لإسكات الأصوات الرقابية
من جهتها، تعتبر الجمعية المغربية لحماية المال العام أن القانون الجديد يمثل ضربة قوية للرقابة المدنية على تدبير الأموال العمومية.
ويؤكد مسؤولو الجمعية أنهم راكموا على مدى أكثر من عقدين تجربة واسعة في تتبع ملفات الفساد، بالاستناد إلى تقارير المجلس الأعلى للحسابات وتقارير المفتشيات العامة ومعطيات يقدمها منتخبون محليون ومستشارون جماعيون، وهو ما أفضى إلى مئات الشكايات التي انتهت بمتابعات قضائية لمسؤولين ومنتخبين وموظفين عموميين.
ويرى القائمون على الجمعية أن ارتفاع عدد ملفات الفساد التي وصلت إلى القضاء كان يقتضي تعزيز آليات المحاسبة والشفافية بدل تقليصها، معتبرين أن التعديلات الجديدة جاءت لتقليص تأثير المجتمع المدني والحد من دوره الرقابي الذي أصبح أكثر حضوراً في النقاش العمومي.
الحركة الحقوقية: تكريس لاستمرار الفساد
الانتقادات لم تقتصر على جمعيات حماية المال العام، بل امتدت إلى منظمات حقوقية بارزة من بينها الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، التي اعتبرت أن القانون الجديد يتعارض مع الأدوار الدستورية للمجتمع المدني في التبليغ عن الفساد والمطالبة بربط المسؤولية بالمحاسبة.
وترى الحركة الحقوقية أن استبعاد الجمعيات من مساطر التبليغ والمتابعة القضائية يضعف إحدى أهم آليات الرقابة المجتمعية، كما يتعارض مع التزامات المغرب الدولية المتعلقة بتشجيع مشاركة المجتمع المدني في جهود مكافحة الفساد وتعزيز الحكامة الجيدة.
وفي هذا الإطار، استحضرت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان قضية سبق أن تقدمت بشأنها بشكاية خلال فترة جائحة كوفيد-19 تتعلق بشبهات فساد في صفقات مرتبطة بقطاع الأدوية، مؤكدة أنها تلقت بعد دخول القانون الجديد حيز التنفيذ إشعاراً رسمياً يفيد بعدم إمكانية متابعة الملف استناداً إلى مقتضيات المادة الثالثة من القانون.
معركة مستمرة ضد الفساد
ويأتي هذا الجدل في وقت لا تزال فيه مؤشرات الفساد تثير الكثير من النقاش داخل المغرب. فبحسب آخر تصنيف صادر عن منظمة Transparency International، احتل المغرب المرتبة 91 عالمياً من أصل 180 دولة في مؤشر إدراك الفساد.
كما كانت الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها قد قدرت الكلفة السنوية للفساد في المغرب بحوالي 50 مليار درهم، وهو رقم يعكس حجم التحديات التي تواجه جهود الإصلاح وتعزيز الشفافية.
وبين مبررات الحكومة الرامية إلى الحد من الشكايات الكيدية، ومخاوف الجمعيات الحقوقية من تقليص مساحات الرقابة الشعبية، يبقى السؤال مطروحاً حول مدى قدرة المنظومة الجديدة على تحقيق التوازن بين حماية الحقوق الفردية وضمان استمرار مكافحة الفساد وصون المال العام، باعتبارهما ركيزتين أساسيتين لبناء دولة القانون والمؤسسات.