
هندسة الثابت والمتغير: رؤية تأصيلية في سعة الشريعة وديناميكية الفكر المعاصر
الجريدة العربية – عبد الله مشنون*
مدخل: هل سعة الدين فضاء مطلق أم منهج مُحكَم؟
ليس من قبيل المصادفة أن يختار الدكتور عبد الله شنفار وصف “الدين واسع” كمدخل لتأصيل العلاقة بين الثابت والمتغير. فالسعة هنا ليست انفتاحاً بلا ضوابط، ولا انغلاقاً بلا آفاق، بل هي خاصية بنيوية في الخطاب الإسلامي تستدعي منا إعادة النظر في كيفية تعاملنا مع النصوص والمقاصد.
فهل يمكن لهذه السعة أن تتحول إلى منهجية معرفية قادرة على استيعاب تعقيدات العصر دون أن تذوب فيها؟ وكيف نستنطق التراث الفقهي ليصبح أداة لتوليد الأجوبة، لا مجرد مخزون للاستشهادات؟
أولاً: أنطولوجيا السعة: الدين بين اليُسر البنيوي والتعددية المشروعية
عندما نقرأ حديث «إنَّ الدين يُسر» (رواه البخاري)، فإننا إزاء تأسيس نبوي لخاصية جوهرية في الخطاب الإسلامي. اليُسر هنا ليس تسامحاً عارضاً، ولا رخصة استثنائية، بل هو بنية كلية تطال مفهوم التكليف نفسه. وهذا ما يفسر قدرة الفقه الإسلامي على استيعاب تنوع المدارس الفقهية، واختلاف الصحابة الذي وصفه عمر بن عبد العزيز بأنه “رحمة”.
إن السعة التي يتحدث عنها الدكتور شنفار عبدالله هي التي مكنت الإسلام من العبور عبر الزمان والمكان، محتفظاً بهويته الماهوية متشكلاً بنيوياً وفق التضاريس الثقافية المختلفة. هنا يبرز سؤال جوهري: إذا كان الدين واسعاً، فكيف نفسر ظاهرة التضييع والتشدد التي تنتج صورة مشوهة عن الإسلام؟ هل المشكلة في النص أم في آليات التعامل معه؟
ثانياً: بنية الأحكام: من هندسة القطعي والظني إلى أفق المقاصد
- النواة الصلبة: مرتكزات الهوية أم قيود الاجتهاد؟
التمييز بين القطعي والظني، والمحكم والمتشابه، ليس مجرد تقسيم معرفي، بل هو هندسة وجودية لضمان استمرارية الرسالة. تمثل القطعيات (كالعدل وحرمة الدماء وأصول العقائد) ما يمكن تسميته “بالأنطولوجيا المستقرة” للهوية الإسلامية. لكن السؤال الإشكالي: كيف نحدد هذه القطعيات في زمن أصبحت فيه كثير من المسلمات التاريخية موضع مراجعة؟
- المتغيرات: فضاء الاجتهاد أم ميدان الصراع؟
الظنيات والمتشابهات هي مجال اشتغال العقل البشري، حيث تتجلى حركية الاجتهاد. يقول الإمام الشاطبي في الموافقات: “إن الشريعة جارية في التكليف بمقتضاها على وزان واحد لا يختلف، وإنما تختلف الفتاوى بحسب العوائد”. هذا التأصيل يحمل في طياته إقراراً ضمنياً بأن الفقه ليس خطاباً أحادياً، بل هو عملية تأويلية تتطلب مراعاة السياق. وهنا يبرز تساؤل عميق: كيف نفرق بين الاختلاف المشروع في الظنيات والتناقض المخل بالثوابت؟
ثالثاً: المنهج العُمَري: نماذج تأصيلية في تحول الأحكام
يمثل اجتهاد عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) نموذجاً رائداً في تطبيق قاعدة “تغير الأحكام بتغير الزمان”. من تعطيل سهم المؤلفة قلوبهم، إلى منع بيع أمهات الأولاد، نرى اجتهاداً يستند إلى روح النص لا إلى حرفيته. لكن السؤال المنهجي هنا: هل كان اجتهاد عمر تجاوزاً للنص أم تجديداً في فهمه؟ وكيف نستلهم هذه النماذج في معالجة قضايا معاصرة مثل:
- المواطنة في السياقات غير الإسلامية: الانتقال من فقه الأقليات (العزل والتهميش) إلى فقه المواطنة (الاندماج والمشاركة) يستدعي اجتهاداً تأسيسياً يعيد النظر في تصنيف “دار الحرب” و”دار الإسلام” لصالح “دار العهد والمواطنة”.
- التحولات الاقتصادية الرقمية: كيف نطبق مقاصد المعاملات (منع الغرر والظلم) على العملات المشفرة والعقود الذكية دون أن نقع في فخ المقاربة الآلية التي تطبق نصوصاً وضعت لسياقات مختلفة؟
- رابعاً: الخصوصية المغربية: نموذج في تبيئة النص
يمثل الفكر المغربي، بتجربته المالكية، نموذجاً فريداً في تطويع النص للواقع. فالمصالح المرسلة وعمل أهل المدينة لم يكونا مجرد أدوات فقهية، بل فلسفة منهجية ترى أن الواقع ليس وعاءً سلبياً للنص، بل هو عنصر فاعل في إنتاج الفهم. يقول العلامة علال الفاسي: “إن الشريعة لم تأتِ لتقييد العقل، بل لتوجيهه نحو عمارة الأرض”.
هذه الرؤية تقلب العلاقة التقليدية بين النص والواقع: نحن لا ننطلق من النص لنطبقه على الواقع فحسب، بل نبدأ من الواقع لنسائل النص ونستنطق مقاصده. هذا المنهج التداولي يطرح إشكالاً جوهرياً: كيف نضمن ألا تتحول قراءة الواقع إلى إسقاط أيديولوجي يبرر ما هو قائم بدلاً من أن يكون أداة للإصلاح؟
خامساً: إشكاليات التطبيق: أين يقع الخلل؟
- في قضايا المرأة: من فقه الحجاب إلى فقه الاستخلاف
الانتقال من المقاربة الآلية التي تركز على “ماذا تفعل المرأة؟” إلى المقاربة المقاصدية التي تسأل “من تكون المرأة؟” يفتح آفاقاً جديدة. لكن السؤال: هل نحن قادرون على تجاوز الفقه التقليدي للمرأة (الذي يختزلها في أحكام الأسرة) إلى فقه الاستخلاف (الذي يراها فاعلاً حضارياً) دون أن نصطدم بتراكمات تاريخية ثقيلة؟
- في الحريات: من الحرية كفلتة إلى الحرية كمقصد
إذا كانت الضروريات الخمس (الدين والنفس والعقل والنسل والمال) تمثل الحد الأدنى لحفظ الكرامة الإنسانية، فإن الحريات العامة تمثل الحد الأقصى لتحقيقها. هنا يبرز تساؤل جريء: هل يمكن اعتبار الحرية مقصداً سادساً من مقاصد الشريعة؟ وكيف نوفق بين هذا الطرح ونصوص الحدود والتعزيرات؟
- في الاجتهاد المؤسسي: من الفرد إلى الجماعة
الإشكال الأعمق في واقعنا المعاصر هو غياب الاجتهاد المؤسسي المنظم. فمعظم الإفتاءات لا تزال تصدر عن أفراد، مما ينتج تعددية فوضوية بدلاً من تعددية منهجية. كيف ننتقل إلى نموذج مؤسسي ينتج فتاوى جماعية تراعي الموازنات والمآلات، وتحول سعة الدين من فضاء للتناقض إلى منهج للتكامل؟
خلاصة: في الحاجة إلى أنطولوجيا جديدة للثابت والمتغير
ما يقدمه خطاب الدكتور شنفار عبدالله ليس مجرد إعادة إنتاج للثنائيات التقليديّة (ثابت/متغير، قطعي/ظني)، بل هو دعوة لتجاوزها نحو ما يمكن تسميته “بالجدليّة الخلاقة”. فالثابت ليس سجناً للتاريخ، والمتغير ليس انفلاتاً من المبادئ. المشكلة الحقيقية تكمن في غياب نظرية معرفية متكاملة تحدد:
- كيف نتعامل مع الثابت بوصفه قيمة مطلقة في سياقات نسبية؟
- كيف نتعامل مع المتغير بوصفه ضرورة حياتية دون أن نقع في فخ النسبوية المطلقة؟
إن المسلم المعاصر، أينما كان، مدعو لأن يكون “ابن وقته” كما قال السلف، دون أن يكون “ابن وقته فقط” فيفقد صلته بالمصدر. إنها هندسة التوازن بين سماء النص وأرض الواقع، بين القطعي الذي يحفظ الهوية، والظني الذي يطلق الطاقة الإبداعية. فهل نملك الجرأة المنهجية لتحويل هذه الهندسة من خطاب تنظيري إلى ممارسة حياتية؟ أم سنبقى في دائرة التكرار التي تنتج إما تشدداً جامداً أو تمييعاً مفرغاً؟
إن الرهان الأكبر ليس في صياغة نظرية جديدة للثابت والمتغير، بل في تحويل هذه النظرية إلى “ثقافة مجتمعية” و”ممارسة مؤسسية” قادرة على مواكبة التحولات الكبرى دون أن تفقد البوصلة. وهنا تكمن العبقرية الحقيقية للخطاب الإسلامي: أن يظل وفياً لمصادره، منفتحاً على عصره، قادراً على قيادة الحياة لا على تبريرها فقط.