تقنية و علوم

من “كييف” إلى الكم: قصة مبتكرة لغة البرمجة الكومية Q#

الجريدة العربية – محمد حميمداني

 

من كتابة الأكواد على الورق في “أوكرانيا”، ما بعد “الاتحاد السوفياتي”. إلى قيادة تصميم إحدى أهم لغات البرمجة الكمومية في العالم (Q#)، في “شركة مايكروسوفت”. ثم الانتقال إلى “شركة PsiQuantum” الرائدة. تمثل مسيرة “ماريا ميخايلوفا (Maria Mikhaylova)” دليلا على أن الفضول والشغف بالتعلم يمكن أن يفتحا أبوابا إلى عوالم تكنولوجية لم تكن موجودة من قبل.

رحلة “ميخايلوفا” تعتبر درسا فريدا في التكيّف مع التكنولوجيا الناشئة. والسعي بتباث نحو اختراق عالم المجهول وتأسيس لغة جديدة ستشكل ثورة في عالم المعلوميات والبرمجيات.

في سوق تقدر قيمة “الحوسبة الكمومية” بأنها قد تتجاوز 500 مليار دولار مع حلول عام 2040، وفقا لتقرير شركة “بوسطن كونسلتينج جروب”. يبرز دور مبتكري الأدوات الأساسية مثل “ميخايلوفا” كحجر زاوية في هذا التحول التقني الجذري.

وتواصل “ميخايلوفا”، اليوم. مسيرتها في ريادة هذا المجال. لتسهم بذلك في تطوير “الحوسبة الكمومية” القائمة على “الفوتونات” في “شركة PsiQuantum”.

تقول “ميخايلوفا” عن الرحلة: “لم تكن المخاطرة في دخول مجال غير مألوف، بل كانت في البقاء في مكان لا يتحدى عقلي”.

من “بينغ” إلى الكيوبتات: تحول جريء

قبل انغماسها في العالم الكمومي، بنت “ميخايلوفا” مسيرة صلبة في الحوسبة الكلاسيكية. حيث عملت على منتجات أساسية في “مايكروسوفت” مثل محرك البحث “بينغ Bing”. ومنصة الخدمات السحابية “آجور Azure”. لم تكن تملك أي خلفية أكاديمية في فيزياء الكم. وهو ما جعل انتقالها إلى فريق “مايكروسوفت للبحوث الكمومية” عام 2016 خطوة غير تقليدية.

هذا التحول يُسلط الضوء على اتجاه متزايد في قطاع التكنولوجيا: “الموهبة القادرة على التعلم تفوق أحيانا الخبرة المتخصصة في مجالات ناشئة بالغة التعقيد”.

فقبل غوصها في أعماق “الحوسبة الكمومية”، كان سجل “ميخايلوفا” حافلا بالخبرة في مجالات البرمجة التقليدية. ولكن لم تكن لديها خلفية سابقة في “الحوسبة الكمومية”، لكن الفرصة التي عرضها عليها صديق في فريق “مايكروسوفت الكمومي” كانت بمثابة دعوة جريئة لمواجهة المجهول.

عن هاته البداية تقول “ميخايلوفا”: إنها لم تسمع عن هذا المجال من قبل، لكن فضولها كان أقوى من ترددها.
ما ساعدها على اتخاذ هذه الخطوة هو شغفها القديم بتجربة لغات البرمجة. ففي أوقات فراغها، كانت قد جربت أكثر من 90 لغة برمجة مختلفة ووثقت مشاريعها في موسوعة “Progopedia”. كانت إحداها لغة “بسيطة” للغاية لا تحتوي على أحرف إنجليزية وتقتصر على ثمانية أوامر فقط. لكنها كانت كافية لتزيل لديها أي خوف من تعلم لغات جديدة.
في هذا السياق، تقول ميخايلوفا: “لم تكن أي لغة تستخدم في البرمجة الواقعية سيئة [مثل تلك اللغة]”.

ما هي الحوسبة الكمومية ولماذا تحتاج لغة متخصصة؟ 

الحوسبة الكمومية لا تعمل مثل الحواسيب التقليدية. فبينما تستخدم الأخيرة “البِتات Bits”، التي تكون إما 0 أو 1. تعتمد الحواسيب الكمومية على “الكيوبتات Qubits”.

ويتميز “الكيوبت” بخاصيتين رئيسيتين هما: “التراكب (Superposition)”: إذ يمكن أن يكون في حالة 0 و1 في نفس الوقت. و”التشابك (Entanglement)”: إذ يمكن ربط حالات “كيوبتات” متعددة بشكل يجعل حالة أحدها تعتمد على الآخر فورا، بغض النظر عن المسافة.

هاته الخصائص تتيح قوة حوسبية هائلة لحل مشاكل مستعصية حاليا في مجالات مثل اكتشاف الأدوية، التحسين المالي ومحاكاة الجزيئات. لكن برمجة هذه الأجهزة تتطلب لغات جديدة تتعامل مع هذه المفاهيم المجردة. هنا يأتي دور “Q#”، (تُنطق “كيو شارب”). التي صممها “فريق ميخايلوفا” لتمكين المطورين من كتابة الخوارزميات الكمومية دون الحاجة إلى أن يكونوا فيزيائيين.

ميلاد لغة Q# جسر جديد  

تم إطلاق الإصدار الأول من “Q#” بشكل علني أواخر عام 2017 كجزء من حزمة تطوير الكم من “مايكروسوفت (Quantum Development Kit)”. تم تصميم اللغة عمدا لتكون مألوفة للمبرمجين التقليديين، والتي شبهها البعض بلغة “C#”. ولكن بقلب كمومي.

يكمن الفارق الجوهري في التعامل مع “الكيوبتات”، حيث أن عملية قياس (Reading) قيمة “كيوبت” تغير من حالته، وذلك عكس البت التقليدي. هذا يجبر المبرمج على التفكير بطريقة مختلفة جذريا حول تدفق البيانات والمنطق.
من هاته الخطوة انطلقت “ميخايلوفا” وفريقها لتطوير “Q#”. حيث أصدرت نهاية عام 2017 نسختها الأولى. قد تبدو “Q#” في مظهرها الخارجي شبيهة بلغات البرمجة الكلاسيكية. باستخدامها الكلمات الإنجليزية والرموز المعتادة لكن جوهرها يكمن في العمليات الرياضية المميزة التي تم تصميمها لأداء “الحسابات الكمومية”. فهي عكس “البتات” الكلاسيكية التي تشفر المعلومات كـ1 أو 0، تعمل “Q#” مع “الكيوبتات” (qubits) التي تشفر المعلومات كمجموعة خطية من 1 و0.

يكمن الفارق الجوهري الآخر في عملية القراءة. فبينما يمكنك استرداد البيانات من الذاكرة في الحوسبة الكلاسيكية دون تغييرها. فإن قياس “الكيوبت” يغير حالته تلقائيا، وبالتالي يغير المعلومات التي يحملها. هذا الأمر يجعل من عملية القراءة نفسها عملية رياضية يمكن دمجها في “الخوارزميات”، وهو ما يميز “الحوسبة الكمومية” عن نظيرتها الكلاسيكية.

“ميخايلوفا” سفيرة المعرفة الكمومية 

إدراكا منها بأهمية تيسير هذا المجال الجديد، لم تكتفِ “ميخايلوفا” بالابتكار، بل كرست جزءا كبيرا من جهدها للتعليم ونشر المعرفة.

تقول “ميخايلوفا”: “اكتشفت أنني بارعة حقا في شرح الأشياء بطريقة تجعلها سهلة الفهم للمتعلمين”.
مهارة مكنت “ميخايلوفا” من إصدار كتابين مرجعيين في هذا المجال، هما: “Q# Pocket Guide” عام 2022. “Quantum Computing in Depth” الصادر مؤخرا. بغاية ملئ الفجوة في الكتب المخصصة للمستوى المتوسط. تقوم حاليا بتدريس دورة عن بعد في “الحوسبة الكمومية” ب”جامعة نورث إيسترن”.

تواجه “ميخايلوفا”، اليوم، تحديات جديدة في تصميم “أكواد” لتقنية تتطور بسرعة مذهلة. ومع عملها الحالي في “شركة PsiQuantum”، لا تزال تواصل جهودها لاستباق احتياجات المطورين وإطلاق أدوات تتكيف مع مستقبل غير مؤكد لأجهزة الكمبيوتر الكمومية المتسامحة مع الأخطاء.

وهكذا تظل مسيرة “ميخايلوفا” دليلا حيا على أن الشغف بالتعلم والمرونة في مواجهة التطورات التكنولوجية هما مفتاحا الابتكار والنجاح في أي عصر.

يقول الخبير التقني “مايكل نيلسن Michael Nielsen”، مؤلف كتاب “الحوسبة الكمومية والذكاء الاصطناعي”: “تطوير لغات برمجة كمومية عالية المستوى هو أمر بالغ الأهمية. فهو الجسر الذي سيمكن آلاف المطورين من المساهمة في الثورة الكمومية، وليس فقط حفنة من الفيزيائيين”. فيما يرى بعض المشككين، مثل “البروفيسور ميشيو كاكو Michio Kaku” أن “أجهزة الكمبيوتر الكمومية المتسامحة مع الأخطاء (Fault-Tolerant) لا تزال بعيدة عن الواقع العملي. فخطر تطوير برمجيات متقدمة جدا لأجهزة غير ناضجة هو إحدى التحديات التي تواجهها الصناعة”. وهنا تحديدا يكمن التحدي الذي تعمل عليه “ميخايلوفا” في “PsiQuantum”، هادفة لبناء حاسوب كمومي قائم على “الفوتونات” وقادر على التوسع.

درس في الابتكار والمرونة

تبقى قصة “ماريا ميخايلوفا” مصدر إلهام، لا سيما في ظل التغيرات التقنية المتسارعة. حيث تذكرنا بكلمات المؤسس المشارك ل”شركة إنتل”، “جوردون مور”، في “قانون مور” الشهير. ليس من حيث السرعة فقط، بل من حيث الحاجة المستمرة للتكيف مع التعقيد المتزايد. فمسيرتها تؤكد أن المهارات الأساسية في حل المشاكل والشغف المعرفي هي أقوى أدوات أي مبتكر للانطلاق نحو آفاق جديدة، حتى لو كانت غامضة ومجهولة مثل عالم “ميكانيكا الكم”.

زر الذهاب إلى الأعلى