
مشروع قانون المحاماة يشعل الجدل بالبرلمان بسبب منع الاحتجاجات داخل المحاكم
الجريدة العربية
أعاد مشروع القانون الجديد المنظم لمهنة المحاماة إشعال النقاش السياسي والحقوقي داخل البرلمان المغربي، بعدما أثارت المادة 50 منه جدلاً واسعاً بين الحكومة والمعارضة، بسبب تضمّنها مقتضيات تمنع الوقفات الاحتجاجية ورفع الشعارات داخل المحاكم أثناء انعقاد الجلسات.
وشهدت لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بمجلس النواب، مساء الخميس، نقاشاً حاداً حول هذه المادة، التي اعتبرها عدد من النواب مساساً بحرية التعبير والحق في الاحتجاج المكفولين دستورياً، فيما دافعت الحكومة عن الإجراء باعتباره ضرورياً لضمان السير العادي للمرفق القضائي وعدم تعطيل الجلسات.
ورغم الاعتراضات المتكررة التي عبّرت عنها فرق المعارضة، صادقت اللجنة في نهاية المطاف على مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، بأغلبية 16 صوتاً مقابل 7 أصوات، دون تسجيل أي امتناع.
وتنص المادة المثيرة للجدل، في فقرتها الأولى، على منع المحامين من الاتفاق فيما بينهم على التوقف الكامل عن تقديم المساعدة اللازمة لسير العدالة، سواء خلال الجلسات أو في مختلف المساطر القضائية، بينما تمنع الفقرة الثانية تنظيم الوقفات الاحتجاجية أو رفع الشعارات داخل فضاءات المحاكم أثناء انعقاد الجلسات.
وزير العدل عبد اللطيف وهبي تمسك بالإبقاء على هذه المقتضيات، معتبراً أن الأمر لا يتعلق بمنع حق الإضراب أو التضييق على حرية التعبير، بل بضمان عدم تحول المحاكم إلى فضاءات للفوضى أو تعطيل العدالة.
وأكد وهبي، خلال المناقشات، أن بعض التحركات الاحتجاجية السابقة تجاوزت، حسب تعبيره، حدود التعبير المشروع، بعدما تحولت إلى وسائل لمنع محامين آخرين من ممارسة عملهم وتعطيل انعقاد الجلسات، مشدداً على أن “من حق أي محامٍ الإضراب، لكن ليس من حقه منع الآخرين من العمل”.
وفي المقابل، اعتبر نواب من المعارضة أن إدراج مثل هذه القيود داخل قانون ينظم مهنة المحاماة يطرح إشكالات دستورية وحقوقية. وعبّرت النائبة فاطمة التامني عن رفضها لما وصفته بمحاولة تقنين التضييق على حرية التعبير داخل الفضاء القضائي، مؤكدة أن احتجاجات المحامين تظل مرتبطة غالباً بالدفاع عن استقلالية العدالة وحقوق المتقاضين.
أما البرلماني محمد صباري عن حزب الأصالة والمعاصرة، فقد تساءل عن مدى وجود معطيات أو إحصائيات دقيقة تبرر اعتماد مثل هذه المقتضيات، معتبراً أن الحديث عن “حالات استثنائية” لا يكفي لإقرار قيود قانونية دائمة.
وخلال المناقشات، حاول رئيس لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان سعيد بعزيز التوصل إلى صيغة توافقية، عبر اقتراح حصر المنع فقط داخل قاعات الجلسات أثناء انعقادها، بدل تعميمه على مختلف فضاءات المحاكم، غير أن هذا المقترح لم ينجح في إنهاء الخلاف القائم بين الطرفين.
ودافع وزير العدل عن موقفه بالاستناد إلى ما وصفه بحماية حقوق المتقاضين، خصوصاً في القضايا الحساسة المرتبطة بالمعتقلين أو الملفات الجنائية الثقيلة، مشيراً إلى أن تعطيل الجلسات بسبب الاحتجاجات قد يؤدي إلى تأجيل ملفات لعدة أشهر، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على حقوق المواطنين.
كما قارن وهبي بين قطاع العدالة وقطاع الصحة، معتبراً أن الإضرابات لا يجب أن تؤدي إلى شلل كامل في المرافق الحيوية، تماماً كما تستمر أقسام المستعجلات في العمل رغم إضرابات الأطباء.
ويرى متابعون أن الجدل المثار حول المادة 50 يعكس التوتر القائم بين متطلبات الحفاظ على انتظام عمل المؤسسات القضائية من جهة، وضمان الحريات النقابية وحرية التعبير داخل الفضاء المهني من جهة أخرى، في وقت ينتظر فيه مشروع القانون المرور إلى مراحل تشريعية أخرى قد تعيد فتح النقاش حول بعض مواده المثيرة للجدل.