مجتمع

مجرد رأي: العقل من منظور “لحسن كوجلي”

الجريدة العربية – لحسن كوجلي

 

لطالما حيّرني موضوع العقل، ليس فقط باعتباره ملكة للتمييز بين الخير والشر أو أداة للفهم كما تعارف عليه الفلاسفة والدينيون، بل باعتباره سرًّا أكبر من ذلك. إذ أرى أن الجميع تحدث عن وظائف العقل، حدوده، ومعناه، لكن قلّ من تساءل: كيف يُصنع العقل؟ ومن برمجه؟ وكيف تتغير نسخه عبر مسيرة الإنسان؟

من هنا، أقدّم رؤيتي الخاصة التي أعتبرها محاولة لإعادة التفكير في العقل بوصفه “تطبيقًا ربانيًا” متجدّدًا، يعيش مع الإنسان مراحل حياته المختلفة، ويقوده حتى إلى ما بعد الموت.

العقل تطبيق رباني.

أعتقد أن العقل ليس مجرد قوة طبيعية في الإنسان، بل هو “تطبيق رباني” صُنع في مصانع الألوهية، حيث تُحشى العقول ببرامج دقيقة ترافق كل إنسان طوال حياته.

بفضل هذا “التطبيق”، يولد المرء في مكان محدد، ويعيش ظروفًا بعينها، ويواجه مصائر لا فكاك منها. الطبيب لا يستطيع أن يصبح نجارًا، والنجار لا يقدر أن يصير طبيبًا، مهما حاول. ذلك لأن ما يبدو لنا اختيارًا، هو في جوهره برنامج محشو في العقل مسبقًا.

تعدد العقول لا وحدتها

من خلال تجربتي، لم أجد عقلي ثابتًا على حال واحدة، بل شعرت أني أحمل عقولًا متعددة، أستعمل كل واحد منها في ظرف خاص:

1. العقل الحركي: أعيشه في النهار مع حركة الجسد وحركة الكون، وهو الذي أواجه به الحياة اليومية بالشكل الذي يراني فيه غيري.

2. العقل الخيالي: يظهر عند الاستلقاء قبل النوم، يأخذني إلى عوالم افتراضية، حيث يصدقني العقل فيما أكذب عليه، و حيث أستطيع أن أعيش كل الحالات التي أرضيها، أو حالات معقدة أخشى أن أسقط فيها في الواقع، و حيث أناقش كيف أفك مسألة بما لا أستطيع فعله في اليقظة…

3. العقل الساكن: يحضر في النوم العميق حين أغيب عن نفسي، فلا أحس بوجودي أصلًا ولا بوجود الحياة أصلا.

4. العقل الخارق: يشتغل في الحلم، حيث أقوم بأفعال مستحيلة في الواقع: أطير، أرى الأموات، أستشرف الغيب. بل وجدت نفسي مرة أمارس الطب في الحلم، و أستعمل مصطلحات علمية معقدة لم أتعلمها ولا أقوى حتى على إعادة استعمالها في اليقظة.

5. العقل الأخروي: وهو الذي قد يحمله المرء ما بعد الموت، حيث يخرج من حدود الجسد والزمن وحركة الوجود ليواجه الحقيقة المطلقة، هنالك حيث يتحدد مصير كل كل شخص إما في الجنة أو في النار.

بهذا أرى أن العقل مثل الهاتف الذكي الذي تتغير نسخه باستمرار، حسب تطور الشخص وزمنه، نسخة في الطفولة، أخرى في الشباب، وأخرى في أردل العمر .

العقل عضو غير ثابت عبر العمر، ففي فترة الطفولة يكون العقل بسيطا ، و في الشباب يصير أكثر حركية ونشاطا، و في الأحلام يفتح أبوابًا غيبية يعجز على حامله عن إدراكها في الواقع. بهذا أرى أن العقل ليس مجرد “أداة معرفة”، بل هو رحلة وجودية كاملة، تتطور مع الإنسان منذ الميلاد حتى ما بعد الموت.

و العقل كما أشعر به أنه برنامج يصنع بدقة في مصنع الألوهية و يحشى في رأس الإنسان ليقوم بوظيفة معينة في الحياة مع ترك مساحة حرة فيه، يستعمله المرء بشكل حر، إما في نطاق الإيمان أو الكفر، في الخير أو الشر، و هو الجزء الذي قد يحدد مصير الإنسان ما بعد الموت، وهكذا يتحقق التوازن بين الجبر والاختيار.

أظن أن ما أطرحه من نقاش لا ينبني على تقييم علمي و تحليل أكاديمي، إنما هو نابع عن تجربة و شعور فرديين يختلف عن أغلب التصورات السابقة، حيث انتقلتُ من سؤال ما هو العقل؟ إلى سؤال كيف يصنع العقل؟.

فانطلاقا من تجربتي الشخصية ومن إدراكي البسيط للعقل مقارنة مع أهل العلم في المجال أقول بأن العقول تصنع في المصنع الألوهي و تزرع حسب الرغبة اللاهية وفق مراحل الزمن و تطوره، و هي عقول متعددة في عقل واحد و تستمر مع الإنسان حتى ما بعد مماته.

وبهذا يصبح العقل ليس مجرد أداة للمعرفة أو الأخلاق، بل هو الرحلة الكاملة للوجود الإنساني، المبرمج سلفًا بقدرة من الله تعالى ، والمفتوح في النهاية على حساب طبيعة الجزء الحر في العقل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى