رؤية ملكية لمرحلة جديدة من التنمية الترابية المتكاملة
الجريدة العربية
في خطابه بمناسبة الذكرى السادسة والعشرين لعيد العرش، أعلن جلالة الملك محمد السادس حفظه الله عن إطلاق جيل جديد من البرامج التنموية الترابية، يقوم على مبدأ الإنصاف المجالي وتثمين الخصوصيات المحلية، في إطار دعم الجهوية المتقدمة وتعزيز التضامن بين مختلف الأقاليم والجهات.
الخطاب الملكي حمل رسالة واضحة، إذ لم يعد كافيًا الاعتماد على النماذج التقليدية للتنمية الاجتماعية، بل يجب الانتقال إلى مقاربة تنمية ترابية مندمجة، تضمن توزيعًا عادلًا لثمار التقدم، وتكسر الفوارق بين المدن والمناطق القروية أو المهمشة.
هذه الرؤية تعني أن المشاريع المقبلة لن تكون مجرّد استثمارات متفرقة، بل خطط شمولية مترابطة تغطي جميع جوانب الحياة الاقتصادية والاجتماعية.
وحدد جلالة الملك الملك مجموعة من المجالات ذات الأولوية، أبرزها:
-
تشجيع التشغيل عبر استثمار الإمكانات الاقتصادية المحلية وتهيئة بيئة ملائمة لريادة الأعمال والاستثمار.
-
تحسين الخدمات الاجتماعية الأساسية، وخاصة التعليم والصحة، كمدخل لصون كرامة المواطنين وتحقيق العدالة المجالية.
-
إدارة مستدامة للموارد المائية في ظل تفاقم ندرة المياه وتغير المناخ.
-
مشاريع تأهيل ترابي متكاملة، منسجمة مع الأوراش الوطنية الكبرى التي يعرفها المغرب.
رؤية تنموية ممتدة على المدى البعيد
وذكّر جلالة الملك بأن ما تحقق من إنجازات ليس وليد الصدفة، بل ثمرة رؤية استراتيجية طويلة الأمد، تستند إلى الاستقرار السياسي والأمني، وتستهدف بناء اقتصاد تنافسي متنوع ومنفتح، مع الحفاظ على توازنات الاقتصاد الكلي.
ورغم سنوات الجفاف والأزمات العالمية، فقد حافظ الاقتصاد الوطني على معدل نمو مستقر، وشهد نهضة صناعية غير مسبوقة، حيث تضاعفت صادرات قطاعات السيارات والطيران والطاقة المتجددة والصناعات الغذائية والسياحة منذ 2014.
كما مكّنت اتفاقيات التبادل الحر من ربط الاقتصاد الوطني بأكثر من 3 مليارات مستهلك عالمي، مستندًا إلى بنية تحتية حديثة وفق المعايير الدولية.
البعد الجيو-اقتصادي
ما يميز التجربة المغربية أنها لا تقتصر على السوق المحلية، بل تعتمد على تنويع الشركاء والانفتاح على أسواق متعددة، ما يجعلها شريكًا موثوقًا في السلاسل الاقتصادية العالمية. هذا الانفتاح يعزز موقع المغرب كدولة صاعدة قادرة على التكيف مع التحولات الجيوسياسية والاقتصادية.
الخطاب الملكي رسم خارطة طريق لمرحلة جديدة، يتوقع أن تتسم باندماج التنمية الترابية في السياسات العمومية، وتوزيع أكثر عدلًا للفرص، مع ربط البعد الاجتماعي بالاقتصادي، والانطلاق من الخصوصيات المحلية كرافعة أساسية.
نجاح هذا المشروع الطموح يتوقف على تعبئة جماعية من كل الفاعلين، واستثمار الذكاء الترابي، وضمان استدامة الموارد، حتى يتحقق الهدف الأسمى: مغرب متوازن، مزدهر، ومتضامن.