دولي

تندوف على حافة الانهيار الإنساني : غوتيريش يقرع ناقوس الخطر ويحمّل الجزائر والبوليساريو مسؤولية المعاناة

الجريدة العربية 

“تندوف على حافة الانهيار الإنساني”

 

تقرير أممي جديد يعيد إلى الواجهة واحدة من أكثر الملفات الإنسانية إهمالًا وصمتًا في العالم، يتعلق الأمر بمخيمات تندوف الواقعة فوق التراب الجزائري. حيث قدم الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، أمام مجلس الأمن وثيقة شديدة اللهجة، تكشف عن تدهور كارثي للأوضاع الصحية والغذائية داخل هذه المخيمات التي تسيطر عليها جبهة “البوليساريو” منذ نصف قرن، في ظل غياب كامل للشفافية والمساءلة. إذ نبه العالم بدنو كارثة إنسانية خطيرة في ظل صمت عالمي مطبق .

الأرقام الواردة في التقرير صادمة جدا، إذ بلغت نسبة سوء التغذية الحاد حوالي 13,6%، أما تأخر النمو عند الأطفال الذين المحتجزون بهاته المخيمات فقد وصل إلى 30,7%، فيما تجاوزت معدلات فقر الدم 40% بين السكان المحتجزين في مخيمات العار و الذل.

و أشار التقرير في فقراته أن النساء والأطفال هم الأكثر تضررًا؛ إذ تعاني 68% من النساء في سن الإنجاب من فقر الدم، إلى جانب 65% من الأطفال دون الخامسة، ما يشير إلى انهيار شامل في مقومات الحياة الأساسية داخل هذه المخيمات المعزولة عن العالم.

ورغم تدخل برنامج الأغذية العالمي لتغطية حاجيات نحو 80% من السكان، إلا أن التمويل الدولي غير المنتظم وارتفاع الأسعار العالمية جعلا هذه المساعدات محدودة الأثر. ناهيك عن التماطل الجزائري و الفساد المستشري في صفوف من يتولى أمور الجبهة الإنفصالية. حيث ساهمت كل هاته العوامل و غيرها في تفشي الجوع، والهشاشة، في صزرة واضحة لغياب الأمل في منطقة يحتجز فيها الإنسان منذ عقود خارج كل المعايير الإنسانية، حتى أطلق عليها تسليما على أنها أكبر سجن مفتوح في العالم.

الجزائر والبوليساريو.. مسؤولية مشتركة

التقرير الأممي أعاد تسليط الضوء على المسؤولية القانونية والسياسية للجزائر، بوصفها الدولة المضيفة لهاته المخيمات فوق أراضيها، والتي تترك إدارتها لما يُعرف بجبهة “البوليساريو” دون أي إشراف أممي فعلي.

هذا الوضع غير القانوني سمح بانتشار الفساد والاتجار في المساعدات الإنسانية، التي كثيرًا ما يتم تحويلها وبيعها في الأسواق السوداء، بدل أن تصل إلى الأسر المحتاجة.

الأخطر من ذلك، أن الجزائر ترفض باستمرار السماح للمفوضية السامية لشؤون اللاجئين بإجراء إحصاء رسمي للسكان، مما يبقي أعداد اللاجئين تقديرية وغير موثقة في الوثائق الرسمية، وبالتالي يُصعّب أي تدخل إنساني منظم أو تقييم واقعي لحجم الأزمة الإنسانية في هاته البقعة منسية من العالم.

كما أن التقرير لم يقتصر على البعد الإنساني، بل أشار إلى 142 حادث إطلاق نار ضد القوات المغربية قرب الجدار الدفاعي خلال سنة واحدة، نصفها في منطقة المحبس.

غوتيريش أكد أن بعثة المينورسو عاجزة عن التحرك بحرية في مناطق تيفاريتي ومهيريس بسبب القيود التي تفرضها الجبهة الإنفصالية، التي تمنع حتى رحلات الاستطلاع الجوية منذ نوفمبر 2020.

في المقابل، أظهر المغرب تعاونًا كاملاً مع الأمم المتحدة من خلال تطهير أكثر من 129 مليون متر مربع غرب الجدار من الألغام والذخائر، في خطوة تعكس جدّية المملكة في ترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة، وتأكيدها على التزامها بالشرعية الدولية.

الجمود الدبلوماسي وتورط الجزائر

تقرير الأمين العام ختم برسالة واضحة، أفادت بأن الجمود السياسي سببه الرئيسي استمرار التوتر المفتعل من الجزائر مع المغرب. هذا التوتر، بحسب غوتيريش، يعرقل جهود الأمم المتحدة ويُبقي آلاف المدنيين رهائن صراع إيديولوجي عابر للزمن.

وفي الوقت الذي يطرح فيه المغرب مبادرة الحكم الذاتي كحل جدي وذي مصداقية، تستمر الجزائر في دعم أطروحة متجاوزة، تُعيد المنطقة إلى منطق الحرب الباردة ، و تعثر كل مساعي الأمن و السلام ، وتعمّق عزلة الجزائر الدولية، و التي تكاد – وبالإجماع – تدخل في إشكالية الإعاقة الديبلوماسية.

ومن خلال المعطيات التي احتواها تقرير غوتيريش، فإن واقع الحال يعكس الطرح القائل بأن ماجء فيه ليس مجرد حبر على وثيقة دورية، بل صرخة إنسانية في وجه الصمت الدولي، ودعوة صريحة إلى مساءلة الجزائر والبوليساريو عن عقود من الإهمال والمعاناة والاحتجاز القصري .

لقد آن الأوان لأن يتحمل المجتمع الدولي مسؤوليته، وأن يُفرض إحصاء دقيق لسكان تندوف، وأن تُفتح المخيمات أمام المنظمات الحقوقية المستقلة. أما المغرب، فقد برهن مجددًا أنه طرف ملتزم بالحلول الواقعية وبقيم السلم الإقليمي، في مقابل مشروع انفصالي يعيش على الأوهام والدعاية. فأزمة “سجن تندوف” الفسيح و المفتوح، ليست أزمة سياسية فقط، بل مأساة إنسانية تُعري وجهاً قبيحاً من وجوه الانفصال والوصاية الجزائرية والعقيدة العسكرية لجنرالات وضعوا يدهم في يد الشيطان.

زر الذهاب إلى الأعلى