
بوجدور : معركة تقنين قطاع سيارات الأجرة بين سلطة القانون ولوبيات الريع
الجريدة العربية – مكتب الرباط
على بُعد أقل من أسبوع من الموعد النهائي لتقديم طلبات استبدال البطاقة المهنية الورقية بأخرى إلكترونية بيومترية، في خطوة تُعد حاسمة ضمن مسار إصلاح قطاع سيارات الأجرة، يشهد إقليم بوجدور حركية غير مسبوقة تقودها جهات ظلت لسنوات تشتغل خارج الأطر القانونية. تحركات ميدانية متسارعة، وضغوط غير معلنة، ومحاولات للالتفاف على قرارات وزارة الداخلية، كلها تعكس حجم التوتر الذي يرافق هذه المرحلة الانتقالية الحساسة، وتؤشر على اقتراب وضع حد لحالة الفوضى المقنّعة. وفي هذا السياق، لجأت بعض الأطراف، عقب تعثر مساعيها، إلى الترويج لمزاعم غير دقيقة بشأن تمديد آجال إيداع الطلبات إلى غاية شهر يوليوز، وهو ادعاء لا يستند إلى أي معطى رسمي.
في قلب هذا المشهد، تتجه الأنظار إلى عامل الإقليم، إبراهيم بن إبراهيم، باعتباره المسؤول الترابي الأول المكلف بتفعيل التوجيهات المركزية ووضع حد لأي ممارسات مشبوهة تهدف إلى عرقلة مسار الإصلاح. فالمعادلة اليوم لم تعد تحتمل التردد: إما تطبيق صارم للقانون، أو استمرار نزيف الفوضى الذي أنهك المهنيين الحقيقيين وأضر بصورة القطاع.
تندرج هذه الدينامية في إطار مشروع وطني تقوده وزارة الداخلية، يقضي باستبدال رخص الثقة الورقية بأخرى إلكترونية ذكية، صالحة لمدة خمس سنوات، في خطوة تروم تحديث القطاع وتعزيز الشفافية. كما تتضمن الإجراءات حصر استغلال سيارات الأجرة في المهنيين الفعليين، ومنع تجديد العقود للمستغلين غير المزاولين، مع اعتماد مبدأ رخصة واحدة لكل شخص.
وفي بوجدور، سبق لعمالة الإقليم ان اعلنت عن انطلاق عملية إيداع طلبات استبدال رخص الثقة، وفق شروط دقيقة تشمل إثبات المزاولة الفعلية خلال سنة 2025، والتوفر على الأهلية الصحية والقانونية، إلى جانب إيداع ملفات مكتملة داخل الآجال المحددة. كما تقرر إلغاء جميع الرخص القديمة ابتداء من فاتح يوليوز 2026، في خطوة لا رجعة فيها.
للإشارة فمدينة التحدي تتوفر حاليا على 17 سيارة أجرة من الصنف الثاني فقط، في سياق يشهد نمواً ديموغرافياً متسارعا وتوسعا عمرانيا ملحوظا، ما يزيد من الضغط على خدمات النقل. ورغم هذا الخصاص، بدأت الساكنة تدريجيا في الابتعاد عن النقل العشوائي، خاصة “الهوندات”، بحثا عن بدائل أكثر أمانا وتنظيما.
غير أن هذا التحول يصطدم بمصالح فئات راكمت أرباحا من اقتصاد غير مهيكل، وترى في الإصلاح تهديداً مباشراً لنفوذها. وهنا تبرز خطورة المرحلة: فالمقاومة لا تأتي من الهامش، بل من شبكات لها امتدادات وتأثير.
جوهر الإشكال، كما يجمع عليه مهنيون ومتابعون، يكمن في نظام المأذونيات الذي تحوّل من آلية تنظيمية إلى مصدر للريع. فالرخص تُباع وتُؤجر في السوق السوداء بمبالغ ضخمة، بينما يظل السائق الفعلي الحلقة الأضعف، يتحمل التكاليف ويعمل في ظروف هشة.
الإصلاح الحقيقي، بحسب العديد من الأصوات، يمر عبر ربط الرخصة بالنشاط المهني الفعلي، وبالهوية الجبائية لصاحبها. بمعنى واضح: من يشتغل يحتفظ برخصته، ومن لا يزاول يُقصى من الاستفادة. لا تفويت، لا كراء، ولا توريث لامتياز عمومي.
ان الإجراءات المعلنة تحمل في طياتها تحولا نوعيا نحو حكامة أفضل، من خلال إحداث سجلات محلية للسائقين، وتعزيز المراقبة الأمنية لضمان احترام التسعيرة ومعايير الجودة. غير أن نجاح هذا الورش يبقى رهيناً بمدى القدرة على مواجهة اللوبيات المستفيدة من الوضع القائم.