الفاتيكان : أسرار الدولة التي لا تمنح جنسية دائمة
الجريدة العربية
حين نتحدث عن مفهوم المواطنة والجنسية، يذهب الذهن مباشرة إلى الانتماء الثابت الذي يولد به الإنسان أو يكتسبه عبر الزواج، التجنيس أو حق الدم، ليلازم صاحبه مدى الحياة. فالجنسية، كما نعرفها، من أهم مقومات الدول الحديثة، شأنها شأن العلم أو العاصمة أو النشيد الوطني. غير أنّ هناك دولة فريدة كسرت هذه القاعدة بالكامل: دولة الفاتيكان، أصغر دولة في العالم وأحد أكثر الكيانات السياسية والدينية خصوصية.
جنسية مرتبطة بالوظيفة لا بالميلاد
في الفاتيكان، لا وجود لفكرة الجنسية بمعناها التقليدي. فالمواطنة هناك مؤقتة ومرتبطة حصراً بالوظيفة أو الخدمة المقدَّمة للكرسي الرسولي. من يُمنح الجنسية ليس بسبب ولادته في الفاتيكان ولا لانتمائه الأسري، وإنما لأنه يؤدي دوراً محدداً داخل الدولة الكنسية.
تشمل هذه الفئة:
- رجال الدين الكاثوليك المقيمون في الفاتيكان أو روما.
- الدبلوماسيون الذين يمثلون الدولة البابوية في الخارج.
- موظفو الكرسي الرسولي والعاملون في المؤسسات الكنسية.
- الحرس السويسري الشهير، الذي يحرس البابا والدولة.
ويمكن، استثناءً، أن يحصل زوج أو أبناء هؤلاء على الجنسية، لكن فقط طيلة فترة خدمة الفرد الأساسي داخل أسوار الفاتيكان.
لا تجنيس ولا توريث : ازدواجية الجنسية والصفة المؤقتة
من أبرز غرائب النظام القانوني في الفاتيكان أنه لا يعترف بالتجنيس أو الانتقال الطوعي للجنسية. لا الزواج من مواطن ولا الولادة على التراب الفاتيكاني يمنح الجنسية. حتى لو وُلد طفل في الفاتيكان، فهو لا يصبح مواطناً فاتيكانيّاً بل إيطالياً، ما يعكس تداخل الخصوصية القانونية مع المحيط الجغرافي (روما).
هذا يعني أن المواطنة الفاتيكانية ليست إرثاً عائلياً ولا صفة تُكتسب، بل امتياز مؤقت مرتبط حصراً بخدمة الدولة الكنسية.
لأن الجنسية الفاتيكانية غير دائمة، فهي دومًا مرتبطة بجنسية أخرى. فكل من يحملها يحتفظ بجنسيته الأصلية، وحين تنتهي خدمته أو وظيفته داخل الفاتيكان، تُسحب منه مباشرة ويعود إلى جنسيته الأم.
وبالتالي، لا يوجد في العالم ما يمكن تسميته “مواطن فاتيكاني صرف”، بل أشخاص من مختلف الجنسيات يؤدون أدواراً مؤقتة في خدمة الكرسي الرسولي.
حجم هذه “المواطنة الاستثنائية”
يصعب تحديد العدد الدقيق لحاملي الجنسية الفاتيكانية في أي لحظة، لأن الأمر يتغير تبعاً لحركة المهام والتعيينات، إلا أن التقديرات تشير إلى ما بين 400 و800 شخص فقط يحملون هذه الصفة في أي وقت. وهو رقم ضئيل للغاية مقارنة بدول أخرى، لكنه كافٍ لإدارة أصغر دولة مستقلة في العالم، التي لا تتعدى مساحتها نصف كيلومتر مربع.
هذه الخصوصية تجعل من الفاتيكان حالة استثنائية في القانون الدولي:
- فهو يعترف بالجنسية لكن بشكل مغاير لكل الأنظمة.
- يثبت أن مفهوم المواطنة قد يكون وظيفياً لا جغرافياً.
- يقدم نموذجاً لدولة لا تعوّل على “الشعب” بمفهومه العددي، بل على المؤسسة الدينية وممثليها.
إنها صورة مختلفة كلياً عن القاعدة التي اعتدناها في العالم، وتؤكد أن الفاتيكان لا يشبه أي دولة أخرى، لا في نظامه السياسي ولا في مفهومه للانتماء.
في المحصلة، الجنسية الفاتيكانية ليست هوية بل مهمة، وليست انتماءً دائمًا بل امتياز عابر ينتهي بانتهاء الوظيفة. وهذا ما يجعلها من أندر أشكال المواطنة في العالم، بل وربما أغربها على الإطلاق.